/ صفحه 93/
وصاروا يتجسسون أخبار الروم، فلما علم أبو عبيدة بن الجراح القائد العام لجيوش المسلمين في سوريا في عهد عمر بن الخطاب أن الروم جمعوا جمعاً لم ير مثله، فأمر أبو عبيدة بأن يرد إلى كل مدينة صالح أهلها ما دفعته من جزية وخرج، وكتب إليهم:((إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا لكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط إن ينصرنا الله عليهم)) وكان أبو عبيدة يخشى أن لا يصله المدد، ومع ذلك فقد نصره الله على الروم، ووفد عليه رؤساء تلك المدن، ودفعوا إليه ما كان قد رد إليهم من الجزية، ودخلت بقية بلاد الشام في الصلح على مثل هذه الشروط.
2 ـ لما هزم أبو عبيدة جموع الروم سالفة الذكر، ومنح الله المسلمين أكتافهم، كتب إلى عمر رضي الله عنه يخبره بالنصر وبما أفاء الله على المسلمين، وما أعطى أهل الذمة من الصلح، وما سأله السملمون من أن يقسم بينهم المدن التي افتتحها والأرض بما عليها من شجر وزرع، وأنه أبى عليهم ذلك حتى يكتب إلى أميرالمؤمنين، فأجابه عمر بكتاب جاء فيه ((... فأقر ما أفاء الله عليك في أيدي أهله، واجعل الجزية عليهم بقدر طاقتهم، ويكونون ـ أي أهل الذمة ـ هم عمار الأرض، فهم أعلم بها وأقوى عليها، ولا سبيل لك عليهم، ولا للمسلمين معك أن تجعلهم فيئا وتقسمهم، فاضرب عليهم الجزية وكف عنهم وامنع المسلمين عن ظلمهم وعن الإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحلها، ووف لهم بشرطهم الذي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم)) وهكذا بقي للقوم دينهم وديارهم وأموالهم ونظمهم وعقائدهم، وعلى المسلمين الدفاع عنهم بجيش المسلمين الذي ينفق عليه من بيت مال المسلمين، كل ذلك مقابل أن يدفعوا الجزية مشاركة في أعباء النفقات، وعلامة على الولاء والود وحسن الجوار وعدم إفشاء عورات المسلمين وجيوشهم، وقال الماوردي: إذا نقض أهل الذمة العهد لم يستبح بذلك قتلهم ولا قتالهم، وقال: إن الخراج هو ما وضع على رقاب الأرض من حقوق، وقد نشأ نوعا من الجزية، ولما تقدمت الفتوح صار الخراج يجبى من المسلمين وغير المسلمين، وضاع ما فيه من صفات الجزية، والجزية نص، والخراج اجتهاد.