/ صفحه 73/
من إيمانه بالله، فهو لولا الباطن لأنكر الظاهر، أو لشك فيه في الأقل، وهذه تساوي تلك، أفليس الشك سلبا أي إنكارا، وأنت إذ تنكر تنفي، والنفي عدم إثبات أي عدم وجود أو العدم بلا إضافة فهو العدم المطلق.
قال: رويدك بعض فلسفتك.. ولا تنسى أنا في لامية تأبط شرا، فأين كنا منها؟
قلت: كنا حيث:
ينهل الصعدة حتى إذا ما * * * نهلت كان لها منه عل
قال: النهل أول شراب، فهو يسقي قناته من دم العدو، ثم يعلها، أي يسقيها المرة الثانية علا بعد نهل، أو عللا بعد نهل، إن شئت أدغمت، وإن شئت فككت الإدغام.
قلت: أو ما كان في الحد اللفظين غناء عن الآخر: مدغما أو غير مدغم.
قال: بل فيه حرج، فما كان ليستقيم شعر القائل: فأسقنيها عللا بعد نهل، لو أنه أدغم فقال: علا، ولماذا تحبون أن تضيقوا ما وسع الله، إن أحكام الفطرة لتجري رخاء مصيبة أبدا، ولو كان أمر الوضع اللغوي إلى جماعة علمية ما كان يخلو من حرج شديد.. جربوا هذا في المجامع اللغوية الأوربية التي كانت تضع الألفاظ نحتا من اللاتينية ـ مثلا ـ بناء على قواعد استحدثها العلماء، وكانوا يعجبون أن يروا الألفاظ التي يستخدمها العامة بناء على قوانين الفطرة أتم وأوفى بالحاجة من الألفاظ التي يضعها السادة المعجميون.
قلت: ولكن صاحبنا هذا الذي ما فتئ ينهل الصعدة ويعلها انتهى به الأمر كما سلف إلى أن وجدوه قتيلا في غار ((رخمان)) فليت شعري ماذا أفاد من العل بعد النهل، ولو أنه استقام على الطريقة ورضي بالعيش كما قدر له أن يعيشه، فما كان أحراه أن يموت موتة هادئة بعد حياة هادئة.
والعيش خير في ظلال * * * النوك ممن عاش كدا
قال: ولقد سلف أيضاً أنه كان يعلم مصيره، وأنه لابد مائت هذه الموتة الكريمة طعناً بالرمح، أو ضرباً بالسيف:
ومن يضرب الأبطال لابد أنه * * * سيلقى له من مصرع الموت مصرعا