/ صفحه 71/
قلت: ولكن سلفنا رضي الله عنهم لم يقولوا: مالنا ولسقراط وأفلاطون وإرستوت. على أني لم أجىء بجديد. فإن عدم الثقة لا بالعقل ولا بالحواس مسألة قديمة قدم الدهر، وأنه سبحانه وتعالى لم يحمل علينا إصراً كما حمله على الذين من قبلنا، فأوحى إلى محمد (صلى الله عليه واله وسلم) كما أوحى إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.. والذين لم يوح إلى رسلهم عفا عنهم، قال وهو أصدق القائلين:((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) فبيرون وغيره ممن لم يأتهم نذير لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قال: إن متصوفة المسلمين ـ بله صاحب مدرسة الشك في القرن الرابع قبل الميلاد ـ ليقرون أن العقل والحواس يمكن أن يخدعانا، وهذا نفسه دليل على حتمية الوحي، فهو سبحانه وتعالى أرحم بعباده من أن يتركهم مخدوعين للعقل أو الحواس أو كليهما، فإن الحواس لا تزيد على كونها أدوات عقلية، بيد أنه إذا تنزل الوحي كان العقل كافيا للشهادة بحقيقته.. أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، فهذا الشاهد التالي إن هو إلا العقل الذي انتهى عمله. فالوحي هو الذي يتولى بعد تنظيم شؤون الدنيا والآخرة.
ولكنك تخدع شيخك إذا تحدثه عن جاساندي ذاك بوصف كونه رجلا شريفا.
قلت: فإنه أناتول فرانس الذي يضفي عليه صبغة الشرف.
قال: ذلك بأنه من فصيلته.. فما كان ذلك ((الأب الفاجر)) إلا كبير الماجنين والإباحيين في فرنسا في القرن السابع عشر.. فلقد هلك في النصف الثاني منه إن لم تكن خانتني ذاكرتي.. فأما أنه كان يدرس اللاهوت والرياضة والمنطق وفلسفة أبيقور فما كان ذلك ليرفع منزلته أو يستنقذه من الدرك الأسفل من النار، وهل من الشرف أن تدرس علما لا تؤمن به ولا تقيم أحكامه؟
قلت: وما يمنعه الشرف إن كان صادقاً مخلصاً لا يكذب الناس ولا نفسه؟
قال: وأنى له الصدق والإخ لاص وقد سفه نفسه، ثم هو يوم القيامة من المحضرين، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.