/ صفحه 70/
فأجاب: سيدتي أنت شابة غنية سليمة الجسم جميلة، وستفقدين كثيراً إذ تفقدين الحياة، ولكن بما أنه تنقصك أهلية التفكير فإنك لا تدرين ماذا تصنعين، أما أنا ففقير وشيخ كبير مريض، والقضاء على حياتي قضاء على شئ صغير، ولكنني فيلسوف طبعي أتصور فكرة الوجود التي لا تتصورينها، فأنا أعرف على وجه التحديد ماذا أفقد، ومن هنا يا سيدتي منشأ حزني ومنشأ مرحك.
ويضيف أناتول فرانس أن هذا الشيخ الطبيب الطبعي كان أقل عقلا أو حكمة من بيرون، إلا أنه أكبر تأثيراً، والحقيقة أن دموعه ولو سمجة مرذولة ـ أكثر إنسانية من جمود فيلسوف اليس الفاضل.. ومثل آخر لتبلده أنه رأى أستاذه أنا كسارك يتردى في هوة، فمر متجاوزاً إياه دون أن يتفضل فيمد له يده، على أن الأستاذ لم يكفه عدم التشكي من تصرف تلميذه، بل أثنى عليه بما يستحق من الحمد على عدم اكتراثه هذا.. إنه ((لبيرون)) الناسك اليوناني، كما وصفه الأستاذ بروشار.. فلست ترى لحياة الآباء الناسكين في الصحراء قدرة في هذا الاجتهاد الذي يجرد الإنسان من كل إنسانية، هذا وإن حياة القديسين التي كان بيرون يحياها في اليس أضفت عليه احترام مواطنية الذين دفعوه إلى المنزلة الكهنوتية الرفيعة، فكان يؤدي وظيفة الكاهن الأكبر في دقة وحكمة بوصف كونه رجلا يحترم إلهته الجمهورية. وهو باحترامه هذا لا يتنكر لشئ من فلسفته.. لأن مذهب الشك لم ينكر قط وجوب رعاية العرف والسنن التي يحكمها قانون الأخلاق العامة، فلقد عرف طريقة في هذه الأمور دون أن ينتظر اليقين. وكذلك استطاع ((جاساندي)) أن يدرس اللاهوت في حين أنه غير مؤمن، إلا أنه رجل شريف على حد تعبير أناتول فرانس في الجزء الثاني من كتابه:((الحياة الأدبية)) ولعل أطرف ما روى تصويراً للاأدرية بيرون هو ذلك الشاهد الحواري، الذي شاء ظريف بيزنطي أن يكتب على قبر بيرون: هل مت يا بيرون؟ لا أدري.
قال: على رسلك.. فلقد تركتك تهذي فيما تعرف وما لا تعرف مالي ولأناتول فرانس وجاساندي ((وبيرون)) وأصاحاب الشك وأصحاب اليقين، والإسكندر الأكبر وغزاته الهند والمجوس، وما أفاد منهم بيرون.