/ صفحه 69/
كان يعلم تلاميذه أن الأشياء كلها غير يقينية، فالعقل والحواس تخدعنا، ولا يجوز أن نثق بما يخدعنا، بل الشك هو الطريقة المثلى التي ليس في وسع الفيلسوف أن بلجأ إلى غيرها.. إن خير رأي هو ألا يكون لك رأي لا في الخير ولا في الشر.. إن الناس ليشقون جراء خطئهم.. يتألمون أن يفقدوا ما يرونه خيرا، فإذا ملكوه نغصهم خوف أن يفقدوه، أو يعانون ما يعتقدون أنه شر: الغ كل عقيدة من هذا النوع تختف الشرور كلها، إن أسمى درجات الخير لهي المزاج الطيب: يعني عدم الإشفاق أو السكينة، انطو على نفسك كيما تمكن المصيبة أقل تمكين ممكن منك.. عش بسيطا متواضعا كغيرك من المتواضعين دون أي ادعاء من أي نوع كان.. ودع العالم يسر سيرته، وخذ بحظك من الشرور التي ليس في وسع كائن من كان أن يمنعها، فتلك هي المثالية عند اللاأدريين، وليس بذي بال فيما يرى بيرون أن تموت أو أن تحيا، كلا فالأمران سواء، إذن لماذا لا تموت يا أستاذ بيرون؟ فما كان جوابه إلا قوله: من أجل ذلك نفسه: من أجل أن الحياة والموت كليهما شئ لا نكترث له.
كان مسافراً على سفينة أو شكت العاصفة أن تغرقها، فكان ـ وحده ـ ساكنا دون غيره من المسافرين الذين استولى عليهم الرعب والحزن، فرغب إليهم في هدوء أن ينظروا إلى خنزير صغير في السفينة كان يأكل ـ كعادته ـ غير مكترث، فكذلك يجب أن يكون جمود الرجل الحكيم.. ولكن ((أناتول فرانس)) يلاحظ أن حكمة الخنزير غير مستحقة أو هو بها غير جدير، بل إنه لوقار غير مشجع بالقياس إلى أكثر الناس.. ثم يقص علينا قصة فيلسوف آخر شاءت المصادفة أن يجمعه السجن واسكتلندية جميلة قبض عليها المواطنون في فرساي بوصف كونها خائنة ارستقراطية.. وكان فيلسوفا طبيبا ماديا ملحدا.. طفق يبكي فحللت الدموع التراب على خديه، فكان وجه المسكين يبدو معفرا، فعمدت السيدة ((اليوت)) الاسكتلاندية إلى اسفنجة ومسحت وجه صاحبها في السجن معزية إياه بما يقتضيه المقام قائلة:

يا سيدي: إنه من المحتمل أن نموت معا قصلا، فلماذا أنت حزين في حين أني مرحة؟ أفتراك تفقد أكثر مما أفقد إذ تفقد الحياة؟