/ صفحه 68/
قلت: تبعة هذا على عاتق تأبط شرا الذي قال فيما سبق من حلقات السلسلة، أو قيل إنه قال: جل حتى ((دق فيه الأجل)) ولابد أن عقلي الباطن أؤ عقلكم كان مشغولا بما فطن إليه القدماء من أن البدوي لا يمكن أن يتغلغل أو تضيق به الفطرة إلى هذه الدرجة، على أن الأجل أو الجلل في الأمر كله هو أن ((جوته)) الشاعر الألماني الفحل قد نقل هذه القصيدة إلى اللغة الألمانية بوصف كونها معبرة عن الروح العربي البدوي الفطري لاساذج البراء من الصنعة وتكلف الصناعة، فما رأيكم دام فضلكم في هذا التناقض بين وجهة نظر جوته من جانب، وبين وجهة نظر قدمائنا من الجانب الآخر؟ أفليس ما يراه هو دليلا على سعة الفطرة يرونه هم دليلا على حرج الصناعة..؟
قال: إن الصانع ربما جل ودق ومهر وحذق، حتى لتبدو صناعته فوق مستوى الصناعة.. إنها لمحكمة إحكاماً يجعلها أقرب وأنسب إلى طبع الطبيعة منها إلى صنعة الصانع.. وإن الملهم الفطري ربما واتته السليقة فعدلته تعديلا يحملك على الظن أو اليقين، إنه أفاد من الصناعة التي ما كان ليخرج تحفته مستقلا عنها... فأنت في مثل هذه الأحوال مضطر اضطراراً لا اختيار لك معه إلى أن تشك: أعني تسلم الأمر لمن إليه مصير الأمور وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
قلت:ها نحن أولاء نطرق باب اللاءدرية، أو باب الأستاذ ((بيرون)) فهو المبتكر الأصيل أؤ إمام المتشككين غير منازع.. لقد صحب الاسكندر الأكبر في غزاته الشرقية، ورأى مجوس الهند الذين كانوا يحيون حفاة عراة في صوامعهم محتقرين العالم وأعراضه الزائلة، فكان لحياتهم تلك الجامدة وتعطشهم إلى الفناء أثر كبير في نفس ((بيرون)) الذي عاد بعد موت الأسكندر إلى وطنه: مدينة إليس من بلاد يونان، وكذلك يرى أصحاب تاريخ الفلسفة أن بيرون مدين بفلسفته التشاؤمية الهادئة المسالمة للهند... كانت أخته قابلة وكان يشاطرها أعمال التدبير المنزلي، فكان عليه أن يتبع الطيور والخنازير الصغيرة ويكنس البيت وينظف الأثاث كان مسلكه العملي تطبيقاً لرأيه النظري في الحياة، فهو ناسك زاهد غير مكترث بشئ...
