/ صفحه 67/
قلت لست أدري عم تكرم وعلام أبقى؟
قال: تكرم عن كثير وأبقى عليهم، فبقوا بعده... أو كما قال غيره:
ألم تعلمي أني إذا النفس شارفت * * * إلى طمع لم أنس أن أتكرما
ولست بلوام على الأمر بعد ما * * * يفوت ولكن عل أن أتقدما
إنه لكلام عالي الطبقة، ويعبر عن خلق عظيم حقا: نفسه تنازعه إلى الطمع، وقد شارفت أو قاربت ما تصبو إليه، وإن هي إلا حركة ميسورة لن تكلفه نصبا ويكون له بعدها ذلك الذي تنازعه إليه نفسه، ولكنه يكبحها... يلجمها أن تندفع به إلى حيث يأبى ((الواجب)) ويرضى الهوى، الحق أنه في موقف سهل فيه أن يتناسى... ولا تلبث الزوائد من حروف الفعل أن تختفي فينسى صادقا... أفلسنا في ذلك الخير الذي تعدم فيه الحواجز بين الشعور واللاشعور، والمعقول واللامعقول، والظاهر والباطن، إن الغفلة والتغافل، والسمو والتسامي، والنسيان والتناسي لأمور يسهل أن تختلط... وإذا جاء المحلل أو التحليل ليفصل ويفصل ويعيد العناصر إلى أصولها الأول، فإن فيما فات ما تقر به النفس ويعوضها عما هو آت.
قلت: يعوضها عما هو آت؟ مسألة فيها نظر.. فالعوض يسبقه ـ عقلا ـ المعوض.. أعوض عما سبق حصوله لي، فأما أن أعوض عما هو آت فمنطق يتعذر على أن أتصوره.
قال: ـ الباب منطقا ولغة ـ اسمه في جملته: التعاقب الذي يشمل ((البدل)) و((العوض)) وإذا شئت أن تنحدر إلى هاوية الشك فإن الباب كله موضع نظر، ينتهي بك إلى عدم النظر أو العمى أو العمه.. وارجع إلى ابن جني والسيوطي، فلقد أذكر أن لهما مباحث دقيقة في التفرقة بين البدل من ناحية والعوض من الناحية الأخرى، وأنهما بداية ونهاية يؤلفان التعاقب الذي هو الأعم الأشمل، على أني لست أدري في الحقيقة كيف تطرقنا من بساطة البدوي الأمي الذي كف نفسه أن يغلبها الطمع إلى هذا التعقيد غير المعقول ولا المقبول في بيان البادية البادي لكل ذي عينين أو عين واحدة.
