/ صفحه 62/
وراء كل هذه التأكيدات تحصن المنافقون ليخفوا شعورهم بعقدة النقص، ولذلك قال تعالى:((والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)) فلم تواطىء قلوبهم ألسنتهم، وهم كاذبون حتى أمام أنفسهم، وإنما لجئوا إلى الحلف ليتخذوا منه جنة يستترون بها، ومسلكا يعوضون به شعورهم بالنقص، فقال تعالى:((اتخذوا أيمانهم جنة)).
ومن أعراض عقدة النقص التظاهر بالكمال والبعد عن النقص، وهذا واضح في جواب المنافقين للمؤمنين، قال تعالى:((وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض)).
فالتهمة هنا الإفساد في الأرض، فكان الجواب الطبيعي لرد هذه التهمة أن يقولوا ـ لو كانوا أبرياء حسنى النية ـ: نحن لا نفسد في الأرض، ولكنهم تظاهروا بما هو أسمى من ذلك، ووصفوا أنفسهم بالكمال والإصلاح فضلا عن تبرئهم من الإفساد، فقالوا في صيغة التأكيد والحصر:((إنما نحن مصلحون)) ولا عمل لنا إلا الإصلاح.
كل ذلك استجابة لعقدة النقص، وتغطية لشعور الضعة، فإن التكلم بلهجة التعالي والتفاخر تعويض ملازم لمن ابتلوا بمركب النقص، فمثلهم في ذلك مثل من يغالي في الزينة ذكراً كان أو انثى ليغطي قبحه ويستر عيبه.
ويقول علماء النفس: إن كل غريزة يمكن أن تتوجه إلى ناحية الشر فتصبح وبالا على الفرد أو المجتمع، وقد تتوجه إلى الخير فتصبح مفيدة لهما.
وتوجيه الغريزة إلى إحدى الناحيتين هو ما يسمى بالتحول والتعلية في الغرائز.
فتعلية الغريزة إذن هي ترقية شأنها وتهذيبها وإبلاغها درجة الكمال، والسلوك بها مسلكاً من شأنه أن ينفع الفرد والمجتمع ولا يجلب لهما الضرر.
وطرق تعلية الغرائز شتى، نذكر منها ثلاثاً:
(1) القمع: ومعناه القضاء على غريزة من الغرائز وإماتتها لعدم موافقة نزعاتها للحياة الاجتماعية، وذلك بالضغط عليها وكبح جماحها، كما هو الحال في الغريزة الجنسية.
وهذه الطريقة ليست مفيدة في تعلية الغرائز، بل إنها كثيراً ما تضر بالشخص أو المجتمع، لأن الغريزة المكبوتة تحاول أن تظهر وتسعي سعياً حثيثاً في فك
