/ صفحه 51/
حظوظ الشعراء:
لما قتل الأفشينُ قائد المعتصم بابك الخرُّمىّ، مدحه أبو تمام بقصيدته التي أولها:
بعثتَ الخيل، والخيرُ * * * عقيد بنواصيها(1)
وهي من جيد شعره، فأمر المعتصم للشعراء الذين مدحوا الأفشين بثلثمائة درهم، جرى تفرقتها على يد أحمد بن أبي دُواد، فأعطى منها محمد بن وهيب ثلاثين ألفا، وأعطى أبا تمام عشرة آلاف، قال ابن أبي كامل: فقلت لعلي بن يحيى بن المنجم: أولا تعجب من هذا الحظ؟ يُعطى أبو تمام عشرة آلاف درهم، وابن وهيب ثلاثين ألفا، وبينهما كما بين السماء والأرض!
فقال ابن المنجم; لذلك علة لا تعرفها; لقد كان ابن وهيب مؤدب الفتح بن خاقان، فلذلك وصل إلى هذه الحال!
أقول: إن تفاوت الحظوظ عرف من قديم الزمان، ولكن التفاوت في حظوظ الشعراء أربى على كل ما سواه حتى ليعد من الأعاجيب! فقد استطاع أبو تمام والبحتري مثلا أن يخملا في زمانهما خمسمائة شاعر ربما كان فيهم من هو خير منهما، ولكن اتصال الطائيين بالخلفاء والوزراء في حاضرة الملك كان له هذا الأثر.
وفي عصرنا رُفع بعض الشعراء إلى مرتبة الفحول، قفزوا إلى الصف الأول بحكم المجاملات والصداقات، وفي ظل السهرات المريبة الماجنة، وليسوا من الشعر في قليل ولا كثير، ولا مغدي ولا مراح! بل إن هناك من يطلق عليهن أسماء الشاعرات زوراً وبهتانا، ويذكرن كل يوم في الصحف ممجدات مكرمات، وكبار الشعراء، يطبق عليهم الخمول، مع أن هولاء الشاعرات المزيفات لا يستطعن نظم بيت واحد، ولا يعرفن الموزون من المكسور، ولكن يشترين القصائد من الشعراء الفقراء كما يشترين السلع، فحدث ـ ولا تحرج ـ عن مدى نكبتنا في أدب النفس وأدب الدرس، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

ــــــــــ
(1) ضمن البيت الأثر:((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)).