/ صفحه 35/
ذلك لأننا نرى أن المثل في القرآن نوعان: نوع تاريخي له أصل واقعي يرجع إليه، كقوله تعالى:((ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين)) الآيات.(1)
ونوع بياني ليس بلازم أن يكون له واقع تاريخي، كقوله تعالى في وصف المنافقين:((مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون))(2)، حيث صورهم بحسن حالهم أيام كانوا مستقيمين على الطريقة، آخذين بإرشاد الوحي، واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن ذلك، وفقدوا الهداية الدينية، فذهب عنهم الرشاد، وضلوا سواء السبيل.(3)
هذا، ولابد هنا من البصيرة النافذة التي تدرك الفرق بين المثل التاريخي:((واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون)) الآيات(4)، هنا لم يذكر القرآن اسم المدينة، ولكن الأسلوب يدل على أنها كانت معهودة لهم معروفة لديهم...
وبين المثل البياني:((واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا)) الآيات(5)، فقد ضرب هذا المثل لبيان حالتي المتوكل والمغرور، ولا يستلزم ذلك أن يعتمد على واقع فعلي، ولا سيما إذا لاحظنا التنكير في مفرد ((رجلين)) ونحن ننتظر أن هناك من يجوز أو يوجب أن يكون لهذا المثل أصل واقعي.
والذي يهمنا التنبيه إليه أن هذا المثل وإن ورد في أسلوب قصصي، ليس من ذلك القصص الذي يحكي أنباء الأمم والرسل ممن تعينت أسماؤهم وأماكنهم وأزمانهم.
أما القصة التمثيلية بذلك المعنى الحديث ـ الدراما ـ وهي التي تجري على لسان أشخاص خياليين، ولا تعتمد على واقع تاريخي، وتخضع لهذه الحرية التي لا تلتزم

ــــــــــ
(1) التحريم ـ 10 و11.
(2) البقرة ـ 18 و19.
(3) راجع في هذه الآية وما بعهد تفسير المنارج 1 ص 168، والكشاف ج 1 ص 37.
(4) يس ـ 13 الى 17.
(5) الكهف 32 الى 44.