/ صفحه 34/
الجغرافيا حين ينكرون هذه الصورة، ويقيسونها بمقياس الفكرة أو الحقيقة العلمية، ونحو ذلك مما لا يتصل بأصل الخير وجوهر معناه، فلا يصح أن يقال فيه إنه يخالف الواقع، لا يقال، ذلك، لأن الأسلوب يجاوز منطقة الفكرة إلى مجال الخيال، وجمال التصوير، وحسن التعبير، ومن هنا نفرق بين أسلوبي التقرير والتصوير.
وقريب من ذلك أيضا ما يرد في العبارات الأدبية من ذكر آلهة الخير والشر عند قدماء اليونان، أو أصنام العرب، أو الأطلال والدمن عند الأدباء المحدثين، فليس شئ من ذلك داخلا في عقائد الكتاب والشعراء المتأخرين أو المعاصرين، وإنما هي صور ـ أكلشيهات ـ ترمز إلى معان باقية، أو هي تعبير عن معان جديدة بصور قديمة.
ولعلك لاحظت أننا نذكر شيئاً عن هذه الأنواع الأدبية الأخرى غير القصص، لأنها تتصل بنفس ما اتهم به القصص من كذب وتبديل عند الذين لم يتبينوا الفرق بين الأساليب القرآنية.
3 ـ والأمثال ـ أو التمثيل ـ كذلك بسبب من التصوير قريب، فهي تذكر في القرآن الكريم للإيضاح والقوة والجمال ((وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون))(1)، ((وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون))(2)، ويقول الزمخشري، التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من الشاهد، فإن كان الممثّل له عظيما كان الممثل به مثله، وإن كان حقيرا كان الممثَّل به كذلك. وقال الأصبهاني: لضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء النظائر، شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات الدقائق ورفع الأستار عن الحقائق، تُريك المتخيَّل في صورة المتحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد(3)، وذلك أكثر وضوحاً في الأمثال البيانية، أو البلاغية، أو كما يسميها الزمخشري بالتمثيل.

ــــــــــ
(1) الحشر ـ 21.
(2) العنكبوت ـ 43.
(3) راجع الإتقان ج 2 ص 131 وما بعدها.