/ صفحه 335/
لانعنى أبداً حين نعيب على بعض كتابنا ما يلجئون اليه أحياناً من التكلف، والصنعة الثقيلة أننا نمس بأى لون من ألوان المس دراسة قصيدة عربية واحدة جاهلية أو اسلامية مهما أغرقت فى الغرابة، لان فى هذه القصائد من المعانى والاحاسيس، والالفاظ العربية السليمة، والاسلوب المطبوع الاصيل، ما يحتم على كل دارس للعربية أن يتزود منه ما استطاع.
و يجب أن يفهم الفرق بين استعمال الغريب وبين التكلف، فربما كانت القصيدة مملوءة بما نعده نحن غريباً - ولم يكن غريباً عند أرباب اللغة - وهى مع ذلك مطبوعة، وقد تكون الكلمة واضحة الالفاظ والاسلوب، والصنعة بادية فيها.
و الذى عبناه من كتابنا فى هذه الكلمة أنهم يجمعون بين الأمرين: بين التكلف، والولع بالغريب من الالفاظ، ومن المعانى.
و إذا كان بعض النقاد القدامى حكم على أبى تمام بأن اكثاره من الاستعارات البعيدة قد رذّل شعره فجف عوده، ونشف ماؤه، فاننا فى حل أن نقول ان ما يلجأ اليه بعض كتابنا من الاغراب الذى لايسنده طبع يجعل كتابتهم كالثمرة بعد اعتصارها لاروح فيها، ولا ماء ولا غذاء.
* * *
و يسلمنا الحديث عن هؤلاء المتكلفين إلى شعراء جرفهم تيار التقليد لكل ما هو غربى، فأسلموا أنفسهم لفن لم يكونوا أهلا له، وجاءونا بكل غامضة معتسفة، أولئك هم الشعراء المقلدون للرمزيين، وان شئت أن تصفهم دون أن تسميهم، فقل: شعراء الغموض والابهام، والفوضى والاضطراب، والالتواء والجفاف وما شئت من مثل هذه الاوصاف.
و لا أنكر أنى فهمت شيئاً ولو قليلا من مثل تلك الكلمات التى مثلت لها فى هذا البحث، ولكنى أعترف بأنى لم أفهم قليلا ولا كثيراً من بعض القصائد التى يسمونها بالرمزية. ولقد حدث مرة ونحن ندرس فى معهد الدراسات العربية العالية، أن أملى علينا أحد الاساتذه المحاضرين قطعة، وطلب منا تفسيرها، وكنا أكثر من خمسة عشر من المتخرجين فى الكليات الجامعية، والازهر الشريف.