/ صفحه 336/
و فى اليوم التالى قدم كل منا تفسيراً لهذه القطعة، ولشد ما كانت دهشتى حين أعلن المحاضر أن أحداً منا لم يفهم هذه الابيات، وقد قلت يومئذ ان قولهم: (المعنى فى بطن الشاعر) لايجد مكاناً أليق به من هذا الموضع.
و المؤلم حقاً أن كثيراً من كتابنا وشعرائنا وعلمائنا يؤمنون ايماناً مطلقاً بكل ما هو غربى، وقد قرأت منذ قريب تعليق أحد كتابنا على كلمة قالها شارع غربى، تلك الكلمة هى: ((ان أخص مزايا الشعر أنه لايفهم، وكونه لايفهم هو الذى يمنعه من الموت; لانك إذا فهمته فقد قتلته)) وعلق عليها الكاتب المفضال بأنها ((عبارة رائعة)).
لماذا؟ ان جميع نقادنا، وعلماء البلاغة فى العربية يجعلون من أهم صفات الاسلوب الجيد (الوضوح) ولكن نقادنا وعلماء البلاغة منا لايعرفون شيئاً عند أولئك المفتونين بالغرب، وتراث الغرب.
لقد قلنا غير مرة انه فرق بين روعة المعنى وعمقه، وبين غموضه وابهامه، وان الوضوح ليس معناه الاسفاف أو السطحية. ونزيد على ذلك أن الكاتب أو الشاعر لايلجأ واحد منهما إلى الغموض إلا إذا كان المعنى غائماً فى نفسه، مبهماً فى احساسه، وكانت تجربته فيه ناقصة، وغير بارزة المعالم، ومن هنا جاء التعثر فى التراكيب، والتكلف فى العمل الادبى.
ولاينكر أحد ممن درسوا العربية وآدابها أن البساطة قد تكون فى بعض الأحايين أبعد تأثيراً فى النفس من كل تعمل يلجأ اليه المغرمون بالاغراب، ولاضرب مثلا واحداً هو الذى يحضرنى الان وهو قول العباس بن الاحنف:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر * * * عيناً لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بها * * * أرأيت عيناً للبكاء تعار؟!!
و أمثال هذا الشعر كثير، وهو - كما تراه - قريب المعنى، واضح العبارة، ومع ذلك فان أثره فى النفس نافذ، فهل بعد ذلك نردد ما يقوله هذا الشاعر الغربى أو نؤمن به، ان أخص مزايا الشعر أنه لايفهم؟
