/ صفحه 333/
و هبنى استعنت بالمعاجم، وبالصبر، وفهمت كل جملة على حدتها، فما جدوى هذا كله فى الذوق؟ ان قارىء الادب لايقصد الفائدة فحسب، ولكنه يطلب إلى جانبها المتعة، وأعتقد أن أحداً لن يجرؤ فيدعى أن فى مثل هذا الكلام متعة الا إذا كان مخلوقاً على منوال أبى علقمة ومن لف لفه.
و ربما وقع فى خاطر بعض من يطالعون كلمتنا هذه أننا مع أولئك الذين يدعوننا إلى ألا نحتفل بالادب الجاهلى، وما يشبهه من كل أدب يشتمل على ألفاظ غريبة، ولا سيما فى مرحلة الدراسة الثانوية، لان الطلبة - كما زعم بعض كتابهم - تنفتح عيونهم فى هذه المرحلة على قصائد قد بعدت عن الرقة والسلاسة، وأغرقت فى الغرابة، وتوغلت فى الجفاوة، وزخرت بما يميت الذوق الادبى، وبما يصرف الطالب والمتأدب عن الهيام بالادب العربى، والاحتفاء به، ثم يستشهد الكاتب ببيت للاعشى قد أشبعه النقاد القدماء تجريحاً.
و حجته أننا يجب أن نقدم للطلاب ما يتلاءم مع حياتهم، أما الالفاظ التى مدلولاتها فقدت وأصبحت تحفاً فيجب أن تقبع فى المتاحف اللغوية لمن شاء أن يرجع اليها، أو يتخصص فيها.
و أول خبط هذا الكاتب وخلطه أنه حكم على الشعر الجاهلى جملة بعدم صلاحيته للدراسة، لان فيه قصائد أغربت فى الغرابة.
و ثانى هذا الخبط أنه وصف بعض القصائد بأنها ((بعدت عن الرقة)) وأغربت فى الغرابة، وتوغلت فى الجفاف، وزخرت بما يميت الذوق الادبى)) وقد استحضرت فى ذاكرتى أهم القصائد الجاهلية فما وجدت قصيدة واحدة يمكن أن تصدق عليها كل هذه الاوصاف مجتمعة، نعم فى هذه القصائد ألفاظ غريبة علينا ولكن فيها - أيضاً - أبياتاً جميلة، غاية فى الوضوح.
و ثالث أخطاء الكاتب أنه وصف هذه القصائد بأنها تميت الذوق الادبى وانه لعجيب أن يفهم دارس للغة العربية أن دراسة الاصول الاولى - مهما صعب فهم ألفاظها علينا - تميت الذوق الادبى، وهى التى تربيه وتنميه، وكبار النقاد مجمعون على أن أفضل أشعار الامم ما قالته فى أيام بدواتها لانه يجىء عن طبع.
