/ صفحه 331/
من أمسك بين يديه قلما، ووضع أمامه قرطاساً أن يفهمنا أنه (اللغة)، ما يقوله صواب، وما ينشئه حق.
و قد مضى وقت الجدل فى أى الاساليب أبلغ، بما اتفقت عليه كلمة العلماء منذ عهد قديم، وأصبحنا نجد عدداً غير قليل من دعاة التجديد يميلون إلى الضحالة، وقد أعطينا هؤلاء حقهم فيما سبق من كلمات، ونجد عدداً جد قليل يميلون إلى أن يعيدوا أسلوب أبى علقمة النحوى، ويحيى بن يعمر، وهؤلاء لايصعب ردهم إلى الصواب، فان قليلا من التأمل والنظر، وقليلا من فهمهم لانفسهم، يكفى لان يرجعهم عن هذا الدرب الذى يسلكونه.
و كما أن دعاة الاسلوب المجرد عن الفن مفرّطون، فأصحاب الاسلوب المتوعر المتكلف مُفْرِطون ولم نر صاحب ذوق سليم قبل التفريط أو الافراط.
* * *
بين يدى أمثلة لهذا النوع المتوعر من الاساليب، ولكنى سأكتفى بمثالين لهما دلالتهما.
قرأت فى بعض الصحف(1) اليومية كلمة عنوانها: ((حاول أن تفهم)) وقد ذكر الناشر أن موظفاً كبيراً بالبرامج العربية للشئون الثقافية كتب رسالة إلى مديره يقول فيها: ((أصابنى تواكب العمل... وتواتر ضغطه المستمر مع هذا القيظ المحرق.... بحال من العافية يشمت الداء... ويوغر الصحة.... ويتلمس جانحة من سكون الليل بعيداً عن مدار العمل، ولعلك مع هذا قابل معذرتى عن سهرة الغد)).
و قد أعدت كتابة الكلمة كما جاءت فى الصحيفة اليومية، ولعل القارىء يلحظ من وضع النقط على الهيئة السابقة لوناً آخر من التكلف، وله دلالته الواضحة على تمكن هذا الخلق من الكاتب.
و صاحب هذه الرسالة شاعر من شعراء الوقت فى مصر، وهو صاحب مزاج خاص، وقد حاول أن يصنع فى نثره ما يصنعه فى شعره، وفاته أن ما يستسيغه بعض القراء فى الشعر لايستسيغونه فى النثر، لان فى الشعر روحاً تخفى بعض العيوب.
ــــــــــ
(1) صحيفة الشعب بتاريخ 24/8/1957.
