/ صفحه 330/
المتعصبين للقديم، ولا من الموغلين فى حب الجديد، ولا من المعتدلين، بين أولئك وهؤلاء، فليس فى جيلنا ذوق يستسيغه الا أن يكون ذوقاً مريضاً.
ان كانوا انما يكتبون للصيت - ولا أظن - فقد عكسوا على أنفسهم غرضهم، فمثل هذا الصنيع يكسبهم صيتاً ولكن على غير ما يشتهون، وان كانوا انما يكتبونه معتقدين أنه لون رفيع من أساليب البلاغة فقد كابروا فيما اتفقت عليه كلمة النقاد والبلاغيين من حد البلاغة ورسمها، وان كان هذا الاسلوب قد أصبح عادة لهم، فعليهم أن يروضوا أقلامهم وملكاتهم على النهج القويم من أسلوب العربية الواضح الرصين.
و ليس من حق واحد منهم أن يقول: (أنا اللغة) - كما سمعت ذلك عن أحدهم - فقد روجع فيما يحشده فى شعره من استعارات غريبة، وكنايات بعيدة، فقال: ما الفرق بينى وبين امرىء القيس؟ لماذا جاز له أن يقيد الاوابد، ويستوقف الركب، ويبتكر ما يشاء من المعانى، ولم يجز مثل ذلك لى؟ أنا أكتب كما أريد، وأنظم الشعر كما أريد، وأتصرف فى الاساليب كما تصرف فيها أوائلنا.
و مرجع ذلك فى نظرى هو الغرور والجهل، أما الغرور فلان هذا القائل وضع نفسه فى قمة عالية من كتاب العربية وشعرائها، ولم يدر أنه ما يزال فى السفح، وسيبقى فيه إلى أن يموت ما دام يصدر عن مثل هذا التفكير السقيم، وأما الجهل فلانه ظن أن اللغة صناعة، وليست طبعاً، وفاته أن الاعرابى الذى كان يبول على عقبيه، ويأكل الشيح والقيصوم، ويعاشر الغيلان أصح منه لغة، وأقوم طبعاً، ولو قرأ صاحبنا هذا كل ما كتب فى العربية ودرسه، وهضمه.
و من واجبنا أن ننبهه إلى ما يتردى فيه هو وأمثاله من أخطاء فى الاسلوب، وما يلجأون اليه من تنكب للجادة، كما كان من واجبنا أن نتنبّه إلى ما يقع فيه هؤلاء أو غيرهم من أخطاء فى مفردات اللغة; فليست مراعاة الاسلوب الجيد بأقل شأناً من مراعاة الالفاظ الصحيحة.
نعم كل انسان حر فيما يأخذ وما يدع، ولا سيما فى أسلوب كلامه الذى يريد أن يتحدث به، أو يكتب به، ولكن الخطأ الذى ينبغى أن يدفع هو أن يحاول كل