/ صفحه 329/
و هذا الذى يشيد به المفتونون بالغرب منا، فينسبون إلى كتابه أنهم تنبهوا إلى أن أسلوب الرجل هو الرجل على معنى ((أن أسلوب الاديب مرآة صافية لشخصيته كلها، نقرؤه فنحس بصاحبه يطالعنا دائماً بعقله وشعوره وخلقه ومزاجه وعقيدته وكل ما يميزه من سواه)).
و الذى يبدو أن التكلف فى الاسلوب يدل على الكزازة فى الطبع، والجموح فى الخلق، والغرام بالتفرد والشذوذ، وكل ذلك ليس من أخلاق الكتاب الذين كان الجاحظ واحداً منهم، وكان منهم جماعة من فضلاء القوم.
و من الملح التى ساقها الجاحاظ فى هذا الموضع من كتابه، ونحن نسوقها هنا للترويح عن القارىء أيضاً قبل أن نسترسل معه فى الحديث عن المتكلفين، وسوق الشواهد من كلامهم، ما رواه عن أبى الحسن قال: كان غلام يقعر فى كلامه، فأتى أبا الاسود الدؤلى يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الاسود: ما فعل أبوك؟ قال: أخذته الحمى، فطبخته طبخاً، وفنخته فنخاً، وفضخته فضخاً، فتركته فرخاً.
قال أبو الاسود: فما فعلت امرأته التى كانت تهاره، وتشاره، وتجاره، وتزارّة؟! قال طلقها، فتزوجت غيره، فرضيت، وحطيت، وبظيت(1)، قال أبو الاسود: قد عرفنا رضيت، وحظيت، فما بظيت؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك، قال أبو الاسود: يابنى، كل كلمة لايعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور جعرها.(2)
و إذا كان لهؤلاء المتقعرين عذر من مرة تتحكم فى عقولهم، أو حمق يغلب عليهم، أو رغبة فى الغريب لانه غريب، فما عذر كتابنا الذين يعيشون فى القرن العشرين، ويوقنون حق اليقين أن هذا التكلف فى الاسلوب لم يعد يحفل به أحد، لا من

ــــــــــ
(1) فنخته: أضعفته، والفنيخ: الرخو الضعيف، وفضخته: دقته، تزاره: تعاضه، والزر: العض، حظيت: من الحظوة، وبظيت: اتباع لحظيت. وهذا الشرح كله من كلام الجاحظ. وفى هامش النسخة: تهاره: تهر فى وجهه كما يهر الكلب وتشاره: تعاديه وتخاصمه، وتجاره: تلحق به الجريرة.
(2) الجعر: الخرء.