/ صفحه 328/
كما كنت أظن أن أدباء نا بعد أن قرءوا ما كتب الجاحظ وأمثاله قد اقتنعوا أن لامكان فى البلاغة للمتكلفين المتزيدين.
غير أن هذا الظن كان مسرفاً فى التفاؤل، فلا تزال الصحف تطالعنا فى الحين بعد الحين بكلمات جامدة لاروح فيها ولا ماء، أبرز صفاتها الغموض، وأول ما تدل عليه التكلف والمعانات، وأعدل حكم عليها ما حكم به النقاد من القدماء على أمثالها.
فقد أشبع النقاد أبا علقمة النحوى سخرية، قالوا انه شهد عند بعض الأمراء بأن حبشياً شج رأس صقلبى، فأغرب فى شهادته، ولم يفهم الامير منها شيئاً، فكشف الامير رأسه وقال للصقلبى: شجنى خمساً، وأعفنى من شهادة هذا.
و وُصف أبو علقمة - فى بعض مواقفه - مع أنه كان عالماً باللغة العربية، وصف بأن شيطانه يتكلم بالهندية، وقد عده بعض المؤلفين فى الثقلاء.
و ذكر الجاحظ أن العلماء يديرون فى كتبهم كلاماً غريباً لو خوطب به الاصمعى لجهل بعضه، ثم قال: فان كانوا انما رووا هذا الكلام لانه يدل على فصاحة، فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة وان كانوا انما دونوه فى الكتب، وتذاكروه فى المجالس لانه غريب، فأبيات من شعر العجاج، وشعر الطرماح، وأشعار هذيل تأتى لهم - مع حسن الرصف - على أكثر من ذلك.
و هذه العبارات التى علق عليها الجاحظ من كلام يحيى بن يعمر، وقد قال: ليس فى هذا الكلام شىء من الدنيا الا أنه غريب. ولقد العبارات التي علق عليها الجاحظ من كلام يحيى بن يعمر، وقد قال: ليس في هذا الكلام شىء من الدنيا إلا أنه غريب.
كما استوقفنى قوله فى الغريب: وهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من دأبهم(1)، وهذا القول يدل على أن هذا الكتاب العظيم تنبه إلى أن للاسلوب صلة قوية بأخلاق الكاتب، بل هو يرى أن الاسلوب يكون من أخلاق الكاتب، أو لايكون من أخلاقه.
ــــــــــ
(1) البيان والتبيين ج 1 ص 378، 379، ط: هارون.
