/ صفحه 325/
هذا هو منهج الاسلام فى تحرير الفكر الانسانى، ولقد تلقى المسلمون الاولون هذا المنهج التحريرى من ينابيعه الصافية، واستقرت دعائمه فى أعماق نفوسهم، وانطوت عليها أفئدتهم وجوانحهم، فكان رائداً أميناً لعقولهم وأفهامهم، وغذاء روحياً لغرائزهم ومواهبهم، وطبعهم على حرية الفكر واستقلال الارادة، وكره اليهم التقليد والتبعية العمياء، ووجه عقولهم للبحث والنظر، وفتح لهم ميادين العلوم والفنون، فأقبلوا عليها سراعاً ودخلوها من كل باب، واتخذوا من رياضها مسارح لعقولهم وأفهامهم، وبذلوا فى سبيلها كل ما تحتمله طاقة البشر من جهد عقلى واحتمال جثمانى.
و بهذه النهضة العلمية، والثورة الفكرية المتحررة، استطاعوا فى سرعة لم يعهد لها مثيل فى تاريخ البعث والنهوض، أن ينتقلوا من أمة الامية والانطواء على النفس، إلى أمة العلم والقيادة الفكرية العالمية، وأن يصبحوا أساتذة العالم وقادة الفكر ورواد العلوم والفنون، يدرسونها للاجيال المعاصرة كأحسن ما يكون الدرس والتعليم، ويدونونها
للاجيال المقبلة كأحسن مايكون التأليف والتدوين، وينشرونها فى شعوب كانت تائهة فى عماء الجهل وظلمته، فقد كانت بعوث الامم تفد على العواصم الاسلامية من كل ناحية، فيأخذون عن علمائها ما شاءوا من أفانين العلوم وألوان المعرفة، ثم يعودون إلى بلادهم حاملين اليها مشاعل هذه العلوم التى أخرجتهم من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة، والتى نفخت فيهم روح الحياة والبعث، وفتحت لهم طريق الانتفاع بأصلين عظيمين من أصول الاصلاح الإسلامى، وهما: حرية الفكر، واستقلال الارادة، كما شهد بذلك المنصفون من علماء الغرب فيما كتبوه عن الاسلام والمسلمين، واعترفوا فيه ((بأن المسلمين كانوا منفردين بالعلم فى تلك القرون المظلمة، وأن الفضل فى اخراج أوربا من ظلمة الجهل إلى ضياء العلم، وفى تعلمها كيف تنظر وكيف تفكر، راجع إلى المسلمين وآدابهم ومعارفهم التى حلموها اليهم عن طريق أسبانيا وايطاليا وفرنسا، وأن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين والعقيدة، وأن نشأة المدنية فى أوربا قامت على
