/ صفحه 324/
رضوا وقبلوا، وان أجابهم بما لاتهوى أنفسهم سخطوا وأعرضوا، وإذا حاول اقناعهم بالتى هى أحسن، ركبوا رءوسهم ولجّوا فى عتوّ ونفور، ودخلوا معه فى جدال عنيف لايقف عند حد، ونقاش عقيم لاينتهى إلى غاية، لانهم ليسوا طلاب حق يخضعون له ويسلكون سبيله، وانما هم أصحاب هوى يسيرون وراءه ويبغون تحقيقه، لان طالب الحق يطلب ما يطلب من حكم ورأى، وهو مجرد عن كل هوى يطاوعه أو غرض يتابعه، مستعد لقبول الحق والرضا به متى ظهر له، وذلك هو منطق العقل وطريق الوصول إلى الحق والاهتداء لارشد الامور، أما أن يضع طالب الحكم أو الرأى نصب عينيه أمراً معيناً، ويطوى نفسه على هوى دفين، ويأبى الا أن يكون الحكم أو الرأى موافقاً لرأيه وهواه، فذلك هو منطق الهوى وطريق الخداع والتضليل، ومسلك القلوب العليلة والنفوس المريضة.
و لهذا عنى الاسلام بالتحذير البالغ من اتباع الهوى والانقياد الاعمى لوحيه، فذم العاكفين على عبادة الاهواء والاغراض، ونعى عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق ارضاء لاهوائهم، كما فى قوله تعالى: ((ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس))، أفرأيت من التخذ الهه هواه وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، أفلا تذكّرون))، ((فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، ان الله لايهدى القوم الظالمين)) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))، ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه)).
و هكذا طالبنا الاسلام بأن نطهر نفوسنا وسلوكنا من الاغراض الخفية والاهواء الدفينة، ونحرر عقولنا وأفهامنا من الخضوع لسلطانها والانقياد الاعمى لوحيها، وأن نجعل أهواءنا تبعاً لحكم الله وشرعه، لا أن نجعل أحكام الله تبعاً لاهوائنا، فان ذلك من أكبر العوامل فى اعتدال النظر واستقامة التفكير، وصحة العقائد وكمال الاخلاق وصلاح الاعمال.