/ صفحه 323/
و ان تعجب لهذه النهضة العلمية التى تخطت مراحل النهوض فى الامم، فعجب أنهم قاموا بها على رغم الاحداث العاتية التى حملوا أعباءها، والحروب الطاحنة التى خاضوا غمارها، لان الاحداث والخطوب وان بلغت من العنف ما بلغت، لاتستطيع أن تقف فى طريق العقائد التى انطوت عليها القلوب وانفعلت بها النفوس، ولا أن تمنع العزائم القوية من الوصول إلى أغراضها وأهدافها.
و بهذه النهضة العلمية استطاعوا أن يعملوا عمل الاقوياء لدينهم ووطنهم، لان العمل لبناء المجتمعات القوية فى دينها ودنياها، لايصدر الا عن ارادة قوية دافعة، والارادة القوية الدافعة، لاتنبثق الا من العلم، فالامة التى أفقدها الجهل قوة الارادة وصدق العزيمة، لايمكن أن تعمل لدينها ولا لوطنها.
الدعامة الثالثة: تحرير الانسان من طاعة الاهواء والانقياد الاعمى لوحيها، لان طاعة الاهواء من أقوى عوامل انحراف الانسان فى سلوكه، والتوائه فى نظره وتفكيره، وضلاله فى عقائده وتدينه، فان الهوى ما دخل فى شأن من شئون الدين والدنيا الا أفسده، دخل فى فهم الاديان والعمل بها فأفسدهما، ودخل فى سياسة الامم وتصريف شئونها فأفسدهما، ودخل فى استثمار المال وتسخيره لمصلحة الفرد والجماعة فأفسدهما، ودخل فى الرأى وقيادة التوجيه فأفسدهما، لان الهوى مضلة للعقل، ومفسدة للرأى، ومضيعة للحق، فاذا ملك قياد صاحبه طغى على عقله وفكره، وحمله على الالتواء فى تفكيره ونظره، وسد عليه منافذ التفكير السليم والنظر السديد، وقلب له أوضاع الامور وعمى عليه معالم الحق، فلا يرى فى مجال النظر الا ما يوحى به الهوى ولو كان واضح البطلان، ولايخضع لما يخالفه ولو كان حقاً قام عليه الدليل والبرهان.
فعباد الاهواء لاتسلم لهم طوية، ولايستقيم لهم رأى، ولاتعتدل لديهم موازين الحكم، ولايخضعون لحق ليس فى جانبهم كأن الحق تابع لاهوائهم وأغراضهم، فاذا سألوا عن حكم شرعى أو رأى مصلحى، سألوا عنه وصدورهم منطوية على هوى دفين، فان أجابهم المسئول بما يوافق ما انطوت عليه صدورهم