/ صفحه 322/
انما يتذكر أولوا الالباب))، ((انما يخشى الله من عباده العلماء))، ((شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم)).
و جعلهم ينابيع العلم وموارد العرفان، ورواد الحق ودلائل الهدى، كما فى قوله تعالى: ((فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لاتعلمون)) وخصهم بالتعقل والفهم فى مقام ضرب الامثال وبيان آيات الله الكونية، كما فى قوله تعالى: ((و تلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون))، ((و من آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، ان فى ذلك لايات للعالمين(1))).
و هكذا عرف المسلمون الاولون منزلة العلم وفضله، وأدركوا مبلغ الحاجة اليه فى تدينهم وبناء مجتمعاتهم ودعم سلطانهم، وأنه هو الذى يوضح لهم معالم السير على النهج القويم، ويفتح لهم آفاق الحياة العزيزة الكريمة، ويكشف لهم عن أسرار العوالم الكونية ونواميسها، ويقيم لهم وسائل الحياة والقوة، ويبنى لهم قواعد السيادة والمجد، عرفوا كل هذا فوجهوا عزائمهم إلى طلب العلوم على اختلاف أنواعها، ولم يشغلهم عن طلبها ترف الحضارة ونعماؤها، ولاثنت عزائمهم عنها بأساء الحياة وضراؤها، وبحثوا عنها فى آيات الله التشريعية وآياته الكونية، وأقاموا لها فى كل قطر اسلامى مناراً عالياً، وحملوا مشاعلها إلى مشارق الارض ومغاربها، ولم يقفوا بجهودهم عند نتاج عقولهم وأفهامهم، بل اتجهوا بها أيضاً إلى علوم السابقين فاستخرجوها من زوايا الاهمال والنسيان، وأخذوا ابريزها بعد أن زادوه نقاء وصفاء، وردوا زائفها بعد أن بينوا زيفه وفساده، لانهم كانوا يطلبون هذه العلوم طلب الناقد البصير لاطلب التابع المقلد، واكتمل لهم من ملكات العلوم والفنون فى جيل واحد، ما لم يكتمل لامة من الامم الناهضة فى عدة أجيال، وفى ذلك يقول بعض المؤرخين الاجتماعيين من علماء الغرب: ((ان ملكة الفنون لم يتم تكوينها فى أمة من الامم الناهضة الا فى ثلاثة أجيال: جيل التقليد، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال والاجتهاد، الا العرب وحدهم، فقد استحكمت لهم ملكة الفنون فى الجيل الاول الذى بدأوا فيه بمزاولتها)).
ــــــــــ
(1) العالمون فى الاية الاولى والعالمين فى الاية الثانية: كلاهما جمع عالم - بكسر اللام - أى العلماء.
