/ صفحه 319/
في الخير والتقليد في الشر، ولايفرق بين اتباع أهل الحق من الائمة الراشدين والقادة المصلحين، واتباع أهل الباطل من أصحاب القيادات الضالة والاهواء الجامحة، هذا هو التقليد الذي ذمه الاسلام وشدد النكير على أهله، وأما تقليد أهل الحق من الائمة الراشدين والعلماء الراسخين، الذين استمدوا علومهم ومذاهبهم من هدى الكتاب والسنة، واستقاموا على الطريقة المثلى والمحجة البيضاء فليس من قبيل التبعية العمياء التي لاتنظر ولا تفكر فيما تقلد، وانما هو من قبيل القدوة الواعية المستبصرة، واتباع غير العالم لاهل العلم والمعرفة، كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى في سورة النحل: ((فاسألوا أهل الذكر(1) ان كنتم لاتعلمون، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث العرباض بن سارية: ((فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين))، فطريق العصمة من ضلال الرأى وطغيان الهوى، والنجاة من شرور التفرق والاختلاف، والخروج من ظلمة الجهل ومضلته، هو الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله، والسير على سنن الخلفاء والائمة الراشدين المهديين، وسؤال أهل العلم الذين عرفوا بالرسوخ والامانة في العلم، والاعتدال في القصد والتفكير.
و أماالحقيقة الثانية: فهى أن حرية الفكر التي جعلها الاسلام رائداً للتفكير الدينى، ونبراساً للعقول والافهام في الاهتداء إلى معالم الحق، هي الحرية التي تطلق العقول والافهام من أغلال الحجر العقلى والكبت الفكرى، وتحررها من سيطرة التقليد والتبعية العمياء، وتجلى لها معالم الحقائق التي كانت محجوبة عنها، وتجعل قيادة التوجيه قيادة بناء واصلاح وارشاد، لاقيادة هدم وافساد وتضليل، وتستمد مقوماتها العلمية من هدى الاسلام وتعاليمه، ونضوج العقل واستقامة التفكير، والاعتماد على قضايا الحق والمنطق، وتحكيم الحجة والبرهان، وتجرى في فهم نصوص الكتاب والسنة والاستنباط منها، والاستدلال بها على قوانين النظر والاستدلال وأوضاع اللغة العربية وخصائص دلالاتها، اذ لو وكل الأمرفي ذلك إلى الناس
ــــــــــ
(1) أى أهل العلم والفهم.
