/ صفحه 318/
عن التفكير في فسادها وبطلانها، وتحملهم على التعصب الجماعى لحمايتها من كل دعوة تخالفها أو تنتقص من قداستها، هي السر في تمسك الامم والطوائف بالعقائد والمذاهب الموروثة وجمودهم عليها، وان
كانت لاتستند إلى نظر صحيح، ولاتقوم على أساس من الحق، وقصارى ما تعتمد عليه هو التقليد القائم على التبعية العمياء، وتقديس مواريث الاباء والاجداد.
و بهذه الدعامة قضى الاسلام على سلطة المتألهين من أصحاب القيادات الضالة المضللة، وخلع عنهم رداء القداسة التي انتحلوها لانفسهم، وموهوا على الناس بأنها رفعتهم فوق النقد والتجريح، وجعلتهم أرباباً من دون الله يحللون ويحرمون كما يشتهون، وأجرى عليهم من أحكام المسئولية والجزاء ما أجراه على سائر الافراد، وبين أن ربوبية العبادة والتشريع انماهي حق خالص لله وحده، وأهاب بأسرى التقليد والتبعية العمياء، أن يحرروا أنفسهم من هذه الاغلال الجاثمة على عقولهم وأفهامهم، وتلك الاكنة المعقودة على أسماعهم وأبصارهم.
و قرر حق الانسان في حرية الفكر واستقلال الارادة، وفتح له طريق التحرر الفكرى والاستقلال الارادى، وبوأه المنزلة اللاثقة بانسانيته وكرامته، وعرفه أن الله تعالى لم يخلقه عبداً يقاد كما تقاد الانعام، ولا جعل لمخلوق حق السيطرة على عقله وفكره، وانما خلقه حراً مالكاً لقياد نفسه، وعبداً خالصاً لربه، يفكر بعقله ويسترشد بمواهبه، ويعمل باختياره وارادته، ويهتدى بنور العلم في اختياره وعمله، ولايظهر بمظهر العبودية الا لخالقه، ولا يدين في عقائده وسلوكه الا بدين الحجة والبرهان.
و لايفوتنى في هذا المقام أن أوضح حقيقتين قد يقع الخلط في فهمهما:
أما الحقيقة الاولى: فهى أن التقليد الذي ذمه الاسلام وشدد النكير على أهله، والذي سبق بيان مفاسده وآثاره السيئة في الافراد والجماعات، انما هو التقليد الذي يقوم على التبعية العمياء، والجمود على القديم الموروث، ومحاربة كل جديد يخالفه ولو كان ذلك الجديد أقوم طريقة وأهدى سبيلا، والذي لايميز بين التقليد
