/ صفحه 317/
و تقليد الاباء والاجداد يضفى عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها، وتصرفهم عن التفكير في صحتها أو بطلانها، وتدفعهم إلى التعصب الجماعى لحمايتها والابقاء عليها، ومعارضة كل اصلاح جديد يخالفها أو ينتقص من قداستها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقائق في آيات كثيرة، كقوله في شأن معاداة الامم الماضية لدعوة رسلهم: ((و كذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا انا بما أرسلتم به كافرون)) وقوله في شأن معاداة قريش للدعوة المحمدية: ((و عجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الالهة الهاً واحداً ان هذا لشىء عجاب، وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشىء يراد)).
و هكذا يفعل التقليد الاعمى وتقديس المعتقدات القائمة على الوراثة، فهؤلاء كانوا يعرفون الرسول حق المعرفة، ويعلمون صدقه وأمانته حق العلم، ولكن التعصب الجماعى القائم على التقليد الاعمى وتقديس ما وجدوا عليه آباءهم، حملهم على أن يعجبوا من دعوته ويتنكروا لها، ويقولوا فيه وفي دعوته ما حكاه القرآن عنهم، ويتواصوا فيما بينهم بالصبر والثبات على شركهم وضلالهم ولو أنهم حرروا أنفسهم من سيطرة التقليد الاعمى والتعصب الجماعى، ورجعوا إلى تحكيم عقولهم وضمائرهم، وسلكوا الطريق الذي أرشدهم اليه القرآن بقوله: ((قل انما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا، ما بصاحبكم من جنة ان هو الا نذير لكم بين يدى عذاب شديد)) فخلا كل واحد منهم بمن يعرف فيه سداد الرأى واستقامه التفكير، واستطلع رأيه واستكشف ما في قرارة نفسه، أو خلا بنفسه واستوحى عقله واستفتى قلبه، لزالت عنهم تلك الغشاوة التي عقدها التعصب الاعمى على القلوب والابصار، ولعرفوا أن صاحبهم - صلوات الله وسلامه عليه - ليس به ما يفترون، وانما هو رسول من الله صادق أمين، ونذير لهم بين يدى عذاب شديد.
و هذه الحقيقة التي قررناها، وهي أن قيام المذاهب والعقائد على أساس الوراثة والتقليد الاعمى، يضفى عليها قداسة تستحوذ على عواطف الوارثين لها، وتصرفهم
