/ صفحه 310/
أيام كان يبشر بالمسيحية الوضعية الطريفة، وكان من البداهة أن يجر هذا التفكير فكرة أخرى، فلقد قالت اليهود: نعم أو كان المسيح الا يهودياً أم كانت البيعة النصرانية الا بنت الكنيسة الاسرائيلية؟ لقد أنى للبنت أن تعود إلى أمها معترفة بخطيئتها وأنها فرطت في ذات أمها، ان المسيحية واليهودية كلتيهما - بوصف كونهما دينيين يعمل بهما - أصبحتا في ذمة التاريخ، فنحن هوداً ونصارى لانتعبد كما كانوا يتعبدون في القرن الاول وقبل القرن الاول، وانما هي قيم روحية، وأصول خلقية، وذكريات تاريخية ورثناها، فنحن فيها أسواء وبمقتضاها أشقاء، ان كل ما في الاناجيل وجاءها مستقيماً من التوراة، حى وسوف يحيا ما بقيت على الارض حياة، لقد آن للالهة أن تصطلح وهي - كما يعلمنا التاريخ - لاتصطلح الا إذا فقدت محاريبهاو كهنوتها، شاهد ذلك نراه قائماً في المتاحف، أفلست ترى في المتحف آلهة رومية وأثينا ومصر وسورية وغيرها متجاورة هادئة في وقارها وعظمتها، نراها على قواعدها الخشبية أو البرنزية وعساها أن تتبادل النظر الشزر، ولكن كن على يقين أنها لن تمشى بعضها إلى بعض، ولن تتماسك بالمخانق، وغاية ما تحنق أو تختصم لن تتجاوز ذلك النظر الشزر، كذلك كان يقول الاستاذ ((جام دار مستتير)) ويكتب في ((رسائله الشرقية)) أيام كان يحاضر في ((الكوليج ودى فرانس)) وهو حبر تحرير من أسرة يهودية مشهورة في تاريخ الفكر الفرنسى، فأخوه صاحب كتاب ((حياة الكلمة)) الذي له أهميته في فقه اللغة الفرنسية على صغر حجمه.
لقد كان رينان في الحقيقة راهباً من طارز جديد في دير جمع مختلف طوائف النصارى وطوائف اليهود، ولم يكن يخفى هذا التجديد، بل كان له داعية مسموع الكلمة.. أفلم يقل في لغة شعرية رائعة أنه شد ما ساورته الرغبة في أن يجثو على ركبه - أو ركبتيه ما دام حديثنا بالعربية - وليس عندنا كما عندهم أقل الجمع اثنين - مناشداً أوربا المسيحية ألا تتناحر تناحر الاشقاء، وألا تنسى مهمتها الحضارية الانسانية؟
لقد بدأ التقريب اذن في الغرب بداية مدنية أو زمنية غير دينية، أو دينية بالمعنى الجديد الذي مات رينان معتقداً أن المستقبل له، وأن الشعوب قد تذوقت
