/ صفحه 309/
البطاريق، فأما الرقيق ورقيق الارض وبنو غبراء جميعاً ((البليب)) فقد كان شأنهم العمل والخدمة كى يقروا تلك الحياة السامية الرقيقة للسادة الاماجد، فجاء المسيح بالبشرى يخبر خبر السماء، ويعلن قيام ملكوتها أو مملكتها التي تتسع للبشر جميعاً دون تفرقة، فلا بطاريق ولا رقيق، وانما هم بنو الانسان أو أبناء الله يحيون
معاً أسواء حياة اشتراكية تامة، فلن يقبل المسيح الا الانسان ينزل عما يملك للجماعة المسيحية التي هو فرد فيها، له مالها وعليه ما عليها، وكذلك عرفت الانسانية كما يقول رينان نفسه أول ما عرفت، فلم يكن لفكرة العدالة الاجتماعية وجود من ذى قبل... لقد انتهى عهد التمايز بالدم أو الطبقة، وأعلن حق الانسان بوصف كونه انساناً لاغير..... أفليست تلك قيماً روحية أو أصولا خلقية اجتماعية كانت محجبة بالقياس إلى أصحاب الفكر اليونانى اللاتينى؟ انها الاضافة الكبرى التي أضافها الدين إلى تراث الادميين، فالقول بأن المسيحية قطعت رحلة الانسان التقدمية باطل وزور... وإذا كنا الان نرفض المعجزة وخوارق العادات أن نؤمن بها فلسنا نصدق أن المسيح أبرأ الاكمه والابرص وأحيا الموتى باذن الله، أو بوصف كونه ابن الله فليس الله فيما نعلم الا قانون الطبيعة.. فتلك مظاهر أو قشور كان لابد لصاحب الدعوة الانسانية الكبرى أن يغلف بها جوهر رسالته، فانه لو دعا الناس حين ذاك إلى الاصول والمبادىء التي جاء بها مجردة عن عالم الغيب وما فوق الطبيعة، اذن ما عبأ به الناس شيئاً، كانت الغيبيات وخوارق العادات والتلقى عن الله الذي خلق الارض والسموات دأب العصر وروحه، فأما وقد علمنا وتكشف لنا الغيب وتبيناً أن الشيخ الطيب ذا اللحية البيضاء التي يعبث بها الريح وهم صح في الاذهان ما شاءت الطفولة الانسانية أن يصح، فلن يضيرنا أن نغفل القشر أو المظهر ونحتفظ باللباب أو الجوهر الذي هو حق الانسان في أن يحيا مع أخيه الانسان حياة حرية ومساواة ترعاها وترفرف عليها العدالة الاجتماعية، أو ما نسميه الاشتراكية التي هي في الحقيقة الواقعة فكرة المسيح التي طبقها تطبيقاً عملياً، وطبقها بعده الجماعة المسيحية الاولى، كذلك كان يتكلم الشطر الثانى من المفكرين الاحرار خلال القرن التاسع عشر، وليس ثم شك في أن ((رينان)) كان زعيم هذه الطائفة
