/ صفحه 308/
تلك الدراسات تقوم على أساس تمجيد الانسان أو تأليهه كفراناً بالواحد الديان، أو ليس مقتضى التسمية أو مفهوم المخالفة أن كل من ليس على شاكلة ((ايراسم)) وصحابته فهو عديم الانسانية في حين أن هذا اللبس غير قائم في اللغات الاوربية فهم يقولون ((هيمانيسم)) يعنون الدراسات التي تكلمت عنها، و((هيمانيست)) يعنون أصحابها، ويقولون: ((هيمانتى)) و((هيمان)) يعنون الانسانية بمعناها العام المعروف في كل اللغات، سواء منها المتصلات بالثقافة اللاتينة واليونانية، وغير المتصلات.
قلت: عسى أن يتجه الشارع اللغوى عندنا هذه الوجهة، بل عسى أن يقوم عليها اعتراضات، والذي يهم فيما نحن فيه الان ألا ننسى الاتجاه الثانى من ((الفكر الحر)) بمعناه الذي تعين وتحقق وأخذ شكله النهائى في القرن التاسع عشر... قال أصحاب ذلك الاتجاه: مهلا وبعض غلوائكم... لاتغلوا في مهاجمة الدين وأصحاب اللاهوت بالحق وبغير الحق، فإن المزامير والاناشيد لم تطمس على ((هومير)) و((فرجيل)) بل أضافت طريفاً على تليد، وكشفت عن مزايا انسانية، كانت محجبة على الوثنية، وعلى الالهة وأنصاف الالهة والالاهات، والعذارى وربات العلوم والفنون. ان ((بان)) الكبير لم يمت، وانما جاءه أخ له من الشرق يقص عليه قصصاً، ويخبره أخباراً ما كانت لتخطر له على بال لو بقى في عزلته، ولم يلتق الشرق بالغرب كرة أخرى بعد التي تمت فيما قبل التاريخ المكتوب، فلسنا ننكر الحقيقة الواقعة، وهي أن المعرفة اليونانية الاصلية انما جاءت من الشرق، نعم جاءت بدائية وحشية، فرعتها يونان حق رعايتها، وما زالت تتعهدها بالتحسين والتجميل حتى انتهت بها تلك النهاية السعيدة التي تتمثل في صور الفلسفة والعلم والفن الرفيع فكذلك نتلقى - نحن الغرب - تلك المسيحية التي جاءنا بها ((بولس)) بسيطة ساذجة، فتتعهدها بالعلم والفن فنفلسفها فتصبح بهجة للناظرين، انه لو بعث الان بولس وبطرس والحواريون لانكروا المسيحية أشد مما أنكرها الوثنيون، اذ أخذتهم بغتة وأرادت أن تصرفهم عما كان يعبد آباؤهم الاولون.
لقد كانت الحياة الانسانية الكريمة في العالم القديم شأن البطاريق وأبناء