/ صفحه 307/
مات ((پان)) الكبير - رمز الوثنية - فكان موته ايذاناً بزوال النور، واقبال الظلمات من هذا الشرق الخرافي الذي سلمت يونان أن تأكلها بربريته، كما سلمت رومية التي هضمت البرابرة الذين أرادوا أن يبتلعوها فابتلعتهم، ولكن ما أعجز هؤلاة لم يعى به الدين الجديد، فسلام على ((زيس)) و((چبتير)) و((فنيس)) والارباب والربات جمعياً، فهو عهد الرهبان والاحبار أصحاب اللاهوت الذين هم أحرص الناس وأخلص الحراص وأيقظهم وأصدقهم استحفاظاً على الجهالة، انهاألف سنة سلختها الانسانية في كهوف تلك الجهالة حتى استيقظت الالهة القديمة في عهد النهضة الحديثة، وهل كانت دلالة يقظتها الا حركة الاحياء، احياء اللاتينية واليونانية على أيدى، ((ايراسم)) وأصحابه ((الانسانيين)) الذي أحيوا الدراسات الانسانية، أى اليونانية واللاتينية على أنقاض اللاهوتية واللاهوتيين؟ الانسان هو سيد هذا الوجود، وليس ثم قوة أخرى هو مسؤول أمامها، فعليه أن يحقق وجوده أو ذاته، وسوف يخضع له الكون، فله المجد وعليه أن يكسب تلك المعركة أو الحرب الطويلة التي أقامتها الارض على السماء، وتمضى الدراسات قدما، وينصرم القرن السادس عشر، فالسابع عشر، فالثامن عشر، بما انطوت عليه من أحداث وثورات هائلة في التاريخ البشرى... وها نحن أولاء في القرن التاسع عشر، قرن التدوين والتجميع، فلقد قيل كل شىء، ووضعت أصول العلوم، وما علينا الا أن نجمع ونرتب ونصنف ونشرح، وعلى السنوات الالف بخيرها وشرها العفاء، لقد كانت جاثوماً أو كابوساً أناخ بكلكه على الانسانية مدة ليست طويلة في عمر الارض... ولقد أدى من سبقونا منذ النهضة مهمتهم أتم أداء، فعلينا أن نكون خير خلف لخير سلف، وإذا كان لاصحاب اللاهوت قديسهم ((سان داكان)) فإن لنا قديسنا ((سانت بيف)) وليحيى ما قبل المسيحية: تراثنا التليد المجيد موصولا بعهدنا الجديد.
قال لبث قليلا: تقول ان الانسانية والانسانيين قامتاً مقابل اللاهوتية واللاهوتيين، فلماذا لم يسموهما الناسوتية والناسوتيين تمييزاً لهما من الانسانية والانسانيين بمعنى الطابع الادمى أو الخلق أو الادب الانسانى، أفليس واضحاً أن
