/ صفحه 302/
لم يكن متأثراً بأحكام سابقة وأغراض خفية حتى على أصحابها الذين يتجنون ويظلمون وهم لايشعرون، أفلم يكن رينان - مثلا - من وجوه التاريخ الوجيهة التي زارت الاماكن المقدسة وشهدت الارض التي بارك الله حولها؟ بل ولقد كتب في ذلك صحفاً خالدة في تاريخ الفكر الاوربى، وانه ليستطرد إلى العالم القديم أيام المسيح (عليه السلام) حين كانت تلك البلاد عامرة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، تأكل من فوقها ومن تحت أرجلها إلى حد أن الاثراء كان ميزة ربما نزل عنها صاحبها اختياراً، اذ لافرق يذكر بين اثنين أحدهما غنى والاخر فقير، فيم اذن تبعة الغنى وتحمل أعباء ليس ثم ما يدعوا إلى تحملها الذي لايعطى الانسان شيئاً يحرمه غيره من بني الانسان، ولكننا في نهاية القرن التاسع عشر، اذ نرتاد تلك البلاد، لانجد الا الحرمان: الجوع والمرض والجهل وملحقاتها التي تتعلق بها تعلق الظل بصاحبه، على أنه لايفوتك أن تلاحظ مع هذا الشقاء الانسانى في أبشع أشكاله أن النساء في ((الناصرة)) جميلات فاتنات رضيات الخلق كريمات طيبات، أفتراها حقاً كرامة شاء الله أن يكرم بها السيدة العذراء كما فطن لذلك أحد كتاب القرن السادس الميلادى وغيره ممن راعتهم تلك الظاهرة؟ ان ((رينان)) ليتساءل هذا التساؤل على الرغم من اعلانه أنه كفر بالمسيحية، أجل ولكنه مؤمن بالمسيح مرتبط بأخلاقه، وهو في واقع الأمر لم يكفر الا اضطراراً اذ استمع إلى حديث عقله، آه لو استطاع أن يلغى هذا العقل المشؤوم، اذن لعاش سعيداً ومات سعيداً كغيره من النصارى الصادقين المخلصين.
و المهم فيما نحن فيه أنه علل هذا الاجداب بعد الاخصاب، والفقر بعد الغنى، والشؤم بعد اليمن، بتلك الكارثة التي ابتلى الله بها الانسانية، فاستولى المسلمون على بيت المقدس، فكانت النتيجة الطبعية أن يغيض ماء الحياة جراء هذا البلاء العظيم.
قلت: مدى علمى أن ((رينان)) من المفكرين الاحرار المؤرخين الجادين الذين لايعنيهم الا كشف الحقيقة، سواء لديه أرضى الراضون أم سخط الساخطون، كان ((مثالياً علمياً)) يريد العلم على أن يقوم بين الناس مقام المعتقدات القديمة البالية التي لم يعد في الامكان حمل الناس عليها بعد أن أصبحت مقولاتها كذباً صراحاً يستحيل
