/ صفحه 301/
تسكن اليه النفس العربية سواء أصدق أم كان رجماً مما ترجم به الظنون، أن مبادىء اللغات وسائر المقولات والمحسات والمجردات والماديات والمعنويات، كلها لاسبيل إلى اليقين فيها، وانما هي احتمالات وراجحات ومرجوحات، وهو - وحده سبحانه - بكل شىء محيط: على أنه يرد على هذا الذي أقول أن العرب في جاهليتها الاولى لم تكن أمة راعية فحسب، بل كانت زارعة تزرع وتروى بالطرق الفنية.. والا فقيم الضياع - جمع ضيعة - والقطائع - جمع قطيعة - أفليست هي المزارع بمعناها الفنى العصرى.
قال: على رسلك، فلقد انتجعت وأبعدت النجعة، أما ((الجاهلية الاولى)) فهى في اصطلاح أصحاب التاريخ، تلك التي كانت ثم درست وبادت ولم يبق منها باقية الا ((النقوش)) والاحجار، أعنى الاثار في مختلف صورها، وإذا صدقت الذين كتبوا التاريخ وحياً أو استيحاء من تلك الاثار فهم يقررون أن العرب التي أرسل اليها محمد صلى الله عليه وسلم كانت قد أنسيت تاريخها هذا القديم المجيد، فلم يغالب الزمان منه الا عقابيل ارتسمت فيما يسمونه العقل الباطن أو ما وراء الشعور... والقرآن نفسه يؤيد هذا النظر اذ يقول عن أحد تلك الشعوب العربية البائدة: ((فهل ترى لهم من باقية))؟ فهذا التعبير يدل على أنهم اجتثوا أو استؤصلوا فلن ترى منهم شيئاً يمكن أن يسمى باقية، ان الجاهلية التي يمكن أن تتكلم عنها بما يملا الفم لهى تلك التي سبقت الاسلام بنحو مائة أو مائتين أو ثلاثمائة سنة أو أكثر أو أقل فيما هو قريب من هذا الحيز الزمنى الذي لم توضع فيه أصول اللغات العربية وغيرها من أخواتها الساميات، ذلك عهد استأثر بعلمه، ولا حيلة للمنقبين، أو - كما سماهم ابن النديم - المنقرين غير الحدس والظن واستنطاق ((الصم الخوالد)) التي ((لايبين كلامها)) كما قال لبيد في معلقته:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا * * * صما خوالد ما يبين كلامها
نعم فإن حديث الصم الخوالد لبيداً عن السيدة أو الانسة ((نوار)) التي غنيت ما شاء الله أن تغنى ((بمنى)) ثم رحلت عنها ((فتأيد غولها ورجامها)) لايختلف عن حديثها إلى مؤرخى الغرب حين يكتبون عن الشرق والعرب، الا من حيث ان لبيداً