/ صفحه 300/
ان أكرمكم عندالله أتقاكم، وإذا قال لهم النذير: كلكم لادم وآدم من تراب، أو الناس سواسية كأسنان المشط، ((لقد جئتم شيئاً اداً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا)) فلا أقل من أن يخرجوه من البلد، وما دروا أن ربه يخرجه من بيته بالحق، لقد كانوا قبله يعلمون أنهم فيما بينهم سواء ((كأسنان الحمار)) بيد أن تلك المساواة والسوية التي تقتضيها أمور خاصة لايجوز أن تجوز حيزها الخاص إلى المحيط العام.
قلت: ولما ذا الجاهلية وتمثل أمثالها، فلقد يتهيأ لى أيام كنت صبياً يسألنى سائل: أمسلم أنت أم عربى؟ ولما كنت من بيئة مسلمة كان يتعذر على أن أجيب اجابة لاتتضمن أنى مسلم، الا أنى عربى مستمسك بعروبتى، فيتعذر على كذلك أن أجيب اجابة تغفل هذه العروبة، فكنت أجيب أنى عربى مسلم، ولكن السائل يريد أن يعبث بى فيلحف في المسألة: كلا لابد أن تختار أحد الأمرين، فأنت اما عربى واما مسلم، ويغيثني الله برجل واسع الافق يقول لى: أجب بأنك عربى تام، فإن العروبة لم تتم بل كانت معنى منقوصاً أتمه الاسلام أو أكمله، فاذا قلت أنا عربى تام أو عربى كامل تضمن هذا التعبير وأشباهه أنك مسلم، ولم يكن عجيباً أن أفقه هذا النحو من الكلام على صغر سنى، فإن الصغار يفهمون أشياء تبدو متعذرة الفهم متى كان الشارح ممن يحسنون الافهام فوق احسان الفهم، كذلك لم يكن عجيباً أن يستجيب العرب لدعوة الرب حين أرسل اليهم محمداً صلى الله عليه وعلى آله والتابعين.
لست أدرى من فقيه اللغة أو ((اللغات المقارنة)) الذي قال ان لفظ ((عرب)) أصله العتيق هو ((على الرب)) صارت إلى ((عرّب)) ثم خففت الراء فهى ((عرب)) كما أن لفظ ((عجم)) أصله ((على الجم)) أى على الماء صارت عجّم، ثم خففت الجيم كما خففت راء عرب، فالعرب في عيشها على الله أو على الرب مع الكلأ حيث شاء الله أن ينبت، فاذا استنفدته يممت غيره، فإن أرض الله أريضة هريضة وفيها مراغم كثير وسعة على خلاف غيرها من الامم التي تضرب أو ((تخيم)) أو تبني قراها على الماء وعلى الأنهار، أو تستنبط الماء من الابار لتسقى الزرع أو ترويه ريا فنيا لايعرفه أولئك الذين يحلون ويرتحلون حيث شاءت منازل الغيث، انه لتعليل
