/ صفحه 296/
و قوله تعالى: ((أفلم يسيروا في الارض)) يشمل السير الحقيقى للكشف والمعرفة والسير بعين البصيرة والتأمل عن طريق تصفح التاريخ، واستجلاء عبره.
و المفسرون يفسرون قوله تعالى: ((دمر الله عليهم)) بمعنى: أهلكهم، ولكن شتان بين العبارتين، فإن قوله جل جلاله: ((دمر الله عليهم)) فيه من القوة والروعة ما يملا القلوب وجلا، ويهزها هزا، اذ هو تمثيل لحالهم، كأنهم كانوا يشيدون صروحاً قوية، ويعمرون الدنيا بكل ما هو مادة وزخرف، دون اعتماد على روح الايمان وقوته، ثم لايلبثون أن يروا كل ما شادوا مدمراً عليهم، محطماً فوق رءوسهم.
و هذا يشمل تدبير هم المادى الذي يتمثل في الصروح والحصون والقلاع، وتدبيرهم السياسى الذي يتمثل في الاحتياط وأخذ الحذر واتخاذ الاعوان والزبانية والعملاء، واتقان أساليب الكيد والبغى والمكر والكبت، كما رأينا من المستعمرين والمغتصبين، فاذا جاء وعد الله دمر عليهم كل بنيان أقاموه، وأفسد عليهم كل تدبير دبروه ((و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ان أخذه أليم شديد)).
و في القرآن الكريم عبارات من هذا القبيل موجزة حيناً، وحيناً مطولة، تحس اذ تسمعها بالهول مجسماً، ويخيل اليك أن لها دوياً يكاد يصم الاذان، كقوله تعالى في أهل ثمود: ((فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، ولايخاف عقباها، وفي قوم لوط: ((فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل)) وفي وصف حال المؤمنين يوم الاحزاب: ((اذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً)) وفي وصف جلاء اليهود من بني قريظة: ((هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخرجون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الابصار)).
إلى غير ذلك من الايات الموعدة المرعدة!