/ صفحه 295/
و من يقرأ سورة ((القصص)) يجد فيها كثيراً مما يبين طغيان فرعون، ونشره الرعب والخوف في شعبه، وفتكه بالابرياء، لا لشىء الا ليثبت دعائم ملكه، وينفى الاوهام التي تخيل له في ليله ونهاره أن هناك تآمراً عليه، وتدبيراً لاهلاكه، وان أول هذه السورة ليخلص أمر هذا الطاغية في أوله وآخره، وأمر قومه معه، وما أراد الله لهم من عز بعد الذل، ومن قوة وتمكين بعد الضعف والخوف، وذلك اذ يقول الله جل جلاله: ((طسم، نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، ان فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم، انه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذون)).
و كما ذكر الله فرعون وبغيه، ذكر قارون واغتراره بماله، وعاقبة هذا الاغترار، فأنبأنا أنه آتاه من الكنوز ما يشق على أولى القوة حمل مفاتحه، وصوره لنا فرحاً بطراً يبغى الفساد في الارض، ويعلن في غرور وكبرياء أنه أوتى ما أوتى على علم عنده، ثم صوره خارجاً على قومه في زينته وأبهة موكبه، مرموقاً منهم، يتمنى الجاهلون مثل ما أوتى، ويأبى العالمون الا تفضيل ثواب الله الذي ادخره للمؤمنين، ثم صور عاقبته وأمر الذين تمنوا مكانه فقال: ((فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لو لا أن من الله علينا لخسف بنا وكأنه لايفلح الكافرون، تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)).
و كذلك ذكر الله عاداً وثمود وأصحاب الايكة وقوم نوح وقوم لوط وغيرهم، مبيناً ما أنزله بهم من قوارع وقواصم.
فالقرآن الكريم مملوء بهذا اللون من القصص المحذرة التي يسوقها الله تعالى في أجلى بيان، ويصورها أروع تصوير، ويناشد الناس أن يفقهوا عبرها، ويسمعوا نذرها.
