/ صفحه 294/
علينا ما بلغ من طغيانه وعتوه، وأنه ظل يتعالى ويتمادى حتى ادعى الالوهية لنفسه وأنكرها على اله موسى واله العالمين جل جلاله، ثم انتهى أمره إلى الغرق، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه ما أخذه الله به من النكال والوبال.
و من ذلك قوله تعالى: ((اذهب إلى فرعون انه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى، فأراه الاية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى، فأخذه الله نكال الاخرة والاولى، ان في ذلك لعبرة لمن يخشى)).
و هذه آيات ناطقة معبرة مصورة تفيض بياناً وتحذيراً، وترسم في كل جانب من جوانب هذه القصة لوحات رائعة، تمثل ذهاب موسى إلى فرعون، وهو ذلك الملك الطاغى المخيف، ثم موقفه بين يديه وهو يعرض عليه التزكية والهداية عرضا رقيقاً مهذباً، ثم موقفه وهو يريه الاية الكبرى، عصاه التي تنقلب ثعباناً مبينا، ثم ما كان من لجاج فرعون وتكذيبه وعصيانه، ثم حركته المضطربة حين أقامته هذه الدعوه وأقعدته وأقضت مضجعه خوفاً من آثارها في شعبه الذي استضعفه وطغى عليه واستخف به، وأنه أدبر عن موسى ودعوته، وجعل يسعى سعيه لافساد مفعول هذه الدعوة، واضلال الناس عنها بالتخويف والارهاب والتعالى، وأنه حشر الناس حشراً، وجمعهم جمعاً لينادى فيهم مجتمعين بباطله وكذبه، اذ يزعم أنه هو ربهم الاعلى، ثم عاقبته حين أخذه الله بعذابه منكلا به نكال الاخرة والاولى، جاعلا منه عبرة للمعتبرين.
كل ذلك تفيض هذه الايات ببيانه، كأحسن ما تكون الافاضة، وترسم مشاهده وصوره كأروع ما يكون الرسم والتصوير!
و من ذلك قوله تعالى: ((و قال فرعون يا هامان ابن لى صرحاً لعلى أبغ الاسباب، أسباب السموات، فأطلع إلى اله موسى وانى لاظنه كاذباً وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون الا في تباب)).
و الطغيان واضح في هذا الجانب من قصة فرعون، كما هو واضح في الجانب الذي ذكرناه من قبل.
