/ صفحه 293/
فلا ينتفع به ولا يركن اليه، ولما كان ما أنزله الله على عباده انما هو ارشاد إلى أقوم الطرق، وتوجيه إلى ما يكون به كل صلاح وكل سعادة، فهم بكراهيتهم اياه قد فقدوا النور الذي يكون به الاهتداء، فاختلط عليهم الأمر، وتراكمت أمام أعينهم ظلمات الحيرة، فشقوا وخسروا، وضلت أعمالهم وحبطت، فليس لها في الدنيا أثر يدوم، وليس لها في الاخرة وزن يقوم: ((و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)).
و يقرب من هذا المعنى أن نفسر كراهيتهم لما أنزل الله بكراهيتهم للمثل والفضائل، وتبرمهم بها، وحصرهم على التحرر منها والانطلاق من قيودها، وأولئك هم الذين يقولون: ما لنا ولهذه المقاييس التي فرضت علينا وما اشتركنا في فرضها، ولا أخذ رأينا في تقريرها! وفي جميع المجتمعات من هذا الصنف أفراد متحللون اباحيون، لا هم لهم الا مسايرة الشهوات، ومقارفة اللذات، فاذا رأوا مستمسكاً بالفضيلة والايمان سخروا منه، وإذا سمعوا ناصحاً يبذل لهم النصيحة ضاقوا به ذرعاً، ولم يطيقوا له سمعاً، ومن سنة الله تعالى أن يبتلى أهل الدين والغيرة والاصلاح بأمثال هؤلاء، وفي مقدمة من ابتلى بهم الانبياء، فكلهم بذل النصح لقومه، فاستثقلوا نصحه، وتبرموا به، حتى أخذهم العذاب: ((فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رساله ربى ونصحت لكم ولكن لاتحبون الناصحين))، ((الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين، فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين)).
و من أعظم أساليب القرآن الكريم سوقه القصص وأخبار الامم السابقة، وما قابلوا به أنبياءهم، وما صار اليه أمر المعرضين منهم عن دعوات الحق.
فقد ذكر الله قصة فرعون - مثلا - في عدة مواضع من كتابه الكريم، وقص