/ صفحه 292/
جيش المسلمين الاولين أنفسهم في بعض المواقع التي خاضوها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تنكبوا السبيل وقصدوا ما لم يكن لهم أن يقصدوه من الغنائم ومتاع الدنيا، وسجل عليهم القرآن الكريم ذلك اذ يقول: ((حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)).
و ذكرهم بما سلف من ((الربانيين)) الذين كانوا يقاتلون مع الانبياء لايقصدون الا وجه الله ورضاه، اذ يقول: ((و كأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين، وما كان قولهم الا أن قالوا ربنا اغفرلنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة والله يحب المحسنين)).
و هكذا نجد أن قضية نصر الله للمؤمنين الذين ينصرونه، وتثبيته أقدامهم في الحياة هي قضية الهية، وسنة كونية في عالم الانسان، والعكس بالعكس، فعلى الناس أن يسألوا أنفسهم كلما وجداً ضعفاً أو انهزاماً أو تخلفاً أو تزلزلا، فيعرفوا الاسباب بعد مراجعه الحساب!
و أما وعيد الله للكافرين، وعلته التي أرشد الله اليها، فذلك قوله جل شأنه: ((و الذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)).
فالتعس والتعاسه: السقوط والعثار واختلال الأمر والشقاء، وهو عكس النصر وتثبيت الاقدام اللذين وعد الله بهما المؤمنين المخلصين الناصرين له، وقد ذكر الله ذلك مرة بطريق الاشارة، حيث جاء حرف ((الفاء)) في قوله تعالى: ((فتعساً لهم)) مؤذناً بأن علة هذه التعاسه هي كفرهم، كأنه قال: كفروا فاستحقوا بكفرهم التعاسه والتزلزل، ومرة بطريق التصريح حيث علل المصير الذي حكم به عليهم، بأنهم كرهوا ما أنزل الله، والكراهية عاطفه من شأنها أن تحمل صاحبها على أن يلتوى عما يكره، وأن ينظر اليه نظرة تبرم به، وتخلص من منطقه،
