/ صفحه 291/
الباطل، كما تضمت سر هذا الوعيد وذلك الوعد، مبينة أن الذين آمنوا قد آووا إلى ركن شديد، هو الله مولاهم، وأن الكافرين قد حرموا حين فرغت قلوبهم من الايمان أن يكون لهم ركن يأوون اليه، ويشتد به أزرهم.
فأما الوعد المشروط بشرط، فهو قوله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) ومثله قوله تعالى في آية أخرى: ((و لينصرن الله من ينصره)) والاية الاولى فيها تعليق صريح استعمل فيه حرف ((ان)) الشرطية لافادة أن نصر الله لعباده مشروط بنصرهم له، والاية الثانية تعليق في المعنى، لانها تقرر أن نصر الله انما هو لمن ينصرالله.
و إذا علق الله شيئاً على شىء، وربطه به على هذا النحو أو ذاك، فهو تعبير عن سنة من سننه التي لاتتبدل، وعن قانون شبيه بقوانين الحياة الكونية، فكما أن الشمس والقمر والنجوم والبحار وجميع العوالم مرتبطة بقوانين تكوينية الهية لاتحيد عنها، ولا يمكن أن تختل أدنى اختلال، كذلك عالم الانسان له قوانين من أمر الله تدور حياته عليها، ويتعامل أفراده طوعاً أو كرهاً بموادها، ومن مواد القانون الالهى للانسان: أنه إذا كان مؤمناً صالح العقيدة في الله ثم جاهد قاصداً بجهاده أن ينصرالله فلا بد من أن ينصره الله ويثبت قدمه، ذلك بأن الضعف والخذلان انما يأتيان المرء من احدى ناحيتين: اما من ناحية فراغ قلبه من عقيدة تطمئنه، وايمان يحثه ويدفعه. واما من ناحية فقدانه الاخلاص فيما يقدم عليه، بأن يكون له اتجاه إلى غير الله والمؤمن قد برىء من كلتا الناحيتين، فإن له من عقيدته في الله قوة تملا قلبه طمأنينة وثقة، وتبعثه على الاقدام في غير تردد ولاتهيب، وان له من اخلاصه ما يجعله متجهاً إلى ربه وحده لايشرك به شيئاً، وأحق الناس بهذا الاخلاص والتوحيد هم المجاهدون الذين يحملون أرواحهم على أكفهم ويخوضون غمرات الموت، لايعرفالمرء منهم إذا أصبح هل يمسى، وإذا أمسى هل يصبح! ان هؤلاء هم أجدر الناس باخلاص النية وتوحيد القصد لله تعالى، فإن الله هو أغنى الشركاء عن الشرك، وانما المجاهد هو من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ولايمكن أبداً أن يهزم من اتجه بجهاده ذلك الاتجاه الاسمى، ولقد هزم
