/ صفحه 289/
أهل الحق حين يرون الباطل مخذولا، كما قال تعالى في سورة التوبة: ((قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم)).
و هذه الاية الاخيرة تدل على أن المؤمن يجوز له أن يعمل للاشتفاء من أعداء الله بهزيمتهم والتنكيل بهم، وأن يلتمس اذهاب الغى. من قلبه بجهادهم، حيث جعل الله تعالى شفاء الصدور، وذهاب غيظ القلوب من ثمرات القتال المشروع.
و من بقية الموازنة بين المؤمنين والكافرين ما ذكره الله تعالى من أنه تكفل للشهداء بحفظ أعمالهم، وعدم اضلالها، أى اذهابها هباء دون ثمرة، بل يبرز آثارها، ويحقق; مهما طال المدى; أهدافها في الدنيا، وينميها ويكثر ثوابها في الاخرة، وذلك قوله تعالى: ((و الذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم)).
و الواقع الذى تدل عليه حوادث التاريخ أن أعمال المجاهدين المخلصين المضحين بأنفسهم في سبيل الله لاتذهب عبثاً، ولا تضيع هباء ولو غلبوا على أمرهم، وتراءى للناس أن مثلهم لم تظهر ولم تنتصر في أول الأمر، ذلك بأن المبادىء والعقائد التي كانوا يكافحون عنها تحيا بهذا الكفاح، وكأنها شجرة لاترويها الا دماء المجاهدين، ويظل الناس يذكرون قيامهم للنضال، وانبعاثهم للتضحية في سبيل الله ويكبرون في ذكراهم الاقدام والشجاعة، ويعرفون حقهم وحق مبادئهم، فيجعل الله لهم بذلك لسان صدق في الاخرين - وهو الذكرى الطيبه - ويجعل لمبادئهم ومثلهم حياة من بعدهم، طال المد أو قصر، ولذلك يقولون: أن المبادىء السامية وتعاليم الحق والفضيلة لن تموت، بل تحيا وتنتصر باستشهاد أصحابها، وتلك سنة من سنن الله في خلقه ((لايضل ربى ولا ينسى)).
و قوله تعالى: ((سيهديهم ويصلح بالهم)) وعد بضل آخر للشهداء، والهداية بالنسبة للشهيد الذي قتل وانتهت حياته في الدنيا، هي الهداية إلى الجنة، كما في قوله تعالى: ((ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم))، واصلاح بالهم وعد جاء على سنة وعده تعالى للاحياء، فكما قال عن احياء المؤمنين في أول السورة ((كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم))
