/ صفحه 287/
هذا وفي التخيير بين المن والفداء في قوله تعالى: ((فاما مناً بعد واما فداء)) كلام ليس هذا موضع تفصيله وبيان ما يدل عليه في شأن موقف الاسلام من ((الرق)) فانما نحن بصدد ما في السورة من مقارنات.
و معنى قوله تعالى: ((حتى تضع الحرب أوزارها)) يتوقف ادراكه على المراد ((بالحرب)) هنا: هل هي الحرب التي كانت في عهد الرسول حتى تم نصر المؤمنين، وانكسرت شوكة المشركين، فاذا وضعت هذه الحرب أوزارها، أى أثقالها وأحمالها - وهو كناية عن انتهائها - فلا حرب بعدها، أو الحرب مستمرة ما دام هناك شرك ووثنية.
و قد فهم بعض الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولكنه لم يقر هذا الفهم.
فانه يروى عن جبير بن نفير قال: ان سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال انى سيبت الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت لاقتال. فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: ((الان قد جاء القتال، لاتزال طائفة من أمتى ظاهرين على الناس، يزيغ الله تعالى قلوب أقوام فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك)).
و هذا يدل على أن ((الجهاد)) باق، لان الارض لاتخلو من كافرين ومؤمنين، ولذلك قال مقاتل في تفسير قوله تعالى: ((حتى تضع الحرب أوزارها)) معناه: حتى لايبقى مشرك.
و في القرآن الكريم آية أخرى تحدد الامد الذي ينتهى فيه القتال والجهاد، وهي قوله تعالى: ((و قاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله))، ويفهم منها أن القتال والجهاد لايبطلان ما دام هناك فتنة في الدين ومحاولة لصرف المسلمين أو صدهم عن دين الحق الذي ارتضاه الله، وختم به رسالاته.
و لما كان هذا الصد موجوداً في كل زمان، وكان العالم لايزال فيه فريق يحاول فتنة المسلمين عن دينهم، واخراجهم من ديارهم، والمظاهرة على اخراجهم، فالجهاد باق، وهو فرض على المسلمين للدفاع عن دينهم وأنفسهم وبلادهم.