/ صفحه 285/
فهذه الايات الثلاث تبدأ ببيان حكم الله فيما يعامل به الكافرون، وتأتى ((الغاء)) فى أول الكلام ايذاناً بأن الحكم الذى سيذكر هو تفريع عما سبق، فكأن تقدير الكلام: إذا كان هذا هو حال هؤلاء الكافرين، وكنتم واياهم على طرفى نقيض، فليكن الأمر بينكم وبينهم على ما يحكم به العقل والمنطق السليم بين النقيضين فهل يجتمع النقيض والنقيض.
يصور الله المؤمنين مجاهدين مسيطرين، لهم القوة، وفى يدهم زمامها، لانه يأمرهم بضرب رقاب الكافرين إذا لقوهم، وبأن يثخنوهم اثخاناً، أى يمعنوا فيهم قتلا وقهراً، حتى إذا تحقق هذا القهر وذلوا واستسلموا انتقلوا إلى مرحلة أخرى هى شد الوثاق - أى الاسر - وذلك كقوله تعالى فى آية أخرى: ((ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الارض)) أى حتى يحطم شوكة الكافرين تحطيماً، لكيلا تقوم لهم قائمة; لان الشرك والوثنية لايحترمان أمام دين التوحيد، ولايمكن أن يقبل لهم وضع فى أية أمة مخلصة لعقيدتها.
و ينبغى أن يفهم أن هذا انما هو بالنسبة للمشركين المعبر عنهم هنا بقوله تعالى: ((فاذا لقيتم الذين كفروا)).
و أما أهل الكتاب فهم فى ذمة المسلمين، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، ومن حقهم أن يعيشوا بينهم أحراراً يؤدون شعائرهم، ويزاولون طقوسهم، وشتان بين ذى وثن من الاوثان، وذى دين من الاديان، فلا يقل أحد: أين حرية الاعتقاد ما دام الاسلام يأمر بضرب الرقاب والاثخان وشد الوثاق؟ لايقل أحد ذلك، لان الحرية لاتكون فيما يخالف المبدأ الاساسى الذى تقوم عليه الامة، وهذه الامة هى أمة التوحيد، بل ان التوحيد هو الحقيقة الاولى التي جاءت بها الرسل، وأجمعت عليها الاديان، فالاسلام يحترم أديان المخالفين ما دامت أدياناً، أما الوثنية والشرك ففساد فى الفطرة، واهدار للعقل والمنطق والدليل الواضح، واهدار لكرامة الانسان فى أبشع صورة من صور الاهدار، حيث يعبد الانسان العاقل المدبر المتصرف الذى سخر له كل ما فى الكون، حجراً أو شجراً أو مخلوقاً كائناً ما كان.
و لا يصح أيضاً أن يقال: يجب احترام حرية العقيدة إذا كان هذا القول فى
