/ صفحه 284/
و ندخلكم مدخلا كريماً، وليس فى الكلام ما يدل على أن هذا المدخل الكريم الذى وعد الله به عباده هو الاخرة فحسب، حيث الجنة وما أعده الله للصالحين من نعيم مقيم، ولكن الوعد الالهى صالح لان يراد به أيضاً المدخل الكريم فى الدنيا، حيث الهدوء واستقرار النفس، والنجاح فى الحياة، وأن يتبوأ الناس فيها منازل كريمة، ومراكز حسنة.
و بعد أن تنتهى هذه ((الموازنة)) بين الذين كفروا والذين آمنوا، ويتبين منها مصير هؤلاء وهؤلاء يبين الله تعالى سر هذين الحكمين، وأن كلا منهما انما صدر عن عدل وحكمة وسنة الهية لاتتبدل: ((ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم)) أى: فلذلك أبطلنا أعمال أهل الباطل، وأصلحنا بال أهل الحق، وليس من سنتنا أن نسوى بين هؤلاء وهؤلاء ((أفنجعل المسلمين كالمجرمين)) ((أم نجعل الذين كمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض، أم نجعل المتقين كالفجار)).
و يختم الله هذه الموازنة بقوله: ((كذلك يضرب الله للناس أمثالهم)) لتكون العبرة عامة فى كل زمان ومكان، ولئلا يعتبر خصوص فى الكفار على عهد معين دون عهد آخر، ولا فى المؤمنين كذلك، فالكفار فى كل زمان ومكان هم الكفار، والمؤمنون هم المؤمنون.
* * *
2- وموازنة ثانية تأتى بعد ذلك لبيان حكم الله فيما يجب أن يأخذ به المؤمنون هؤلاء الكافرين الوثنيين من عنف وشدة، ومن حرب لا هوادة فيها، تفريعاً على ما تقدم ذكره فى الموازنة الاولى من أوصاف لهم لايستحقون معها المسالمة والمهادنة.
و ذلك قوله تعالى:((فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى إذا أئخنثموهم فشدوا الوثاق، فاما منا بعد واما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم)).
