/ صفحه 283/
فى صاحبه ما لم يعمل ويتحرك ويجل فى ميادين السعى والجهاد غير وان ولا وكل، ولذلك يتبع الله الايمان، ((بالعمل)) فى هذه الاية وفى غيرها من آيات الكتاب العزيز، فيقول: ((و الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) أى آمنت قلوبهم اعتقاداً، وانقادت جوانحهم عملا وجهاداً، فتلاقت بذلك بواطنهم وظواهرهم، ثم يصفهم الله تعالى بوصف هو من قبيل عطف الخاص على العام فيقول: ((و آمنوا بما نزل على محمد)) ليبين بذلك بياناً فاصلا أنه لابد من الايمان بهذا الرسول الكريم الخاتم بعد بعثته، مشيراً إلى أن الذين يؤمنون بالرسل قبله ولايؤمنون به، لم يحققوا ((شرط)) الايمان المقبول، ولم يستحقوا أن يسلكوا فى عداد الذين وعدهم الله بالنجاة، وما أبلغ الجملة المعترضة التى جاءت بعد ذلك فى قوله تعالى: ((و هو الحق من ربهم)) فانها بيان للحقيقة، وتمش مع المنطق، كأنه تعالى يقول لهم: اننا لم نشترط الايمان بما نزل على محمد الا لانه الحق الذى صدر من عند الله رب العالمين.
و بعد ذلك يأتى الحكم وبيان العاقبة: ((كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم)). والانسان مهما آمن وعبد الله وأخلص، لابد أن يقع فى هفوات، وأن تصدر منه سيئات، فما لم يعلم أن رحمة الله تعالى أوسع من ذنبه، وأنه جل شأنه سيتغمده برحمته وفضله فانه يدركه اليأس والتراخى عن العمل الصالح، وربما خرج بذلك إلى الزيغ وارتكاب السوء، فالله تعالى يتكفل لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن يكفر عنهم ما عسى أن يكون لهم من سيئات، أو أن يكونوا قد اقترفوا من هفوات، فان الحسنات يذهبن السيئات، وان الله تعالى يقول: ((ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريماً)).
و قوله تعالى: ويصلح بالهم)) يدل على أن مجتمع أهل الايمان هو مجمع القرار والسكينة والطمأنينة، فان صلاح البال انما يكون بصلاح كل أمر، واستقامة كل شأن.
و الشعوب إذا صلحت أحوالها، واستقامت شئونها، هدأ بالها، واستقرت وسكنت وتمتعت بالحياة السعيدة فى ظل هذا الهدوء وهذا الاستقرار.
و قد التقت الايتان على هذا المعنى حيث تقول هذه الاية: ((كفر عنه سيئاتهم وأصلح بالهم)) وتقول الاخرى، وهى فى سورة النساء: ((نكفر عنكم سيئاتكم
