/ صفحه 282/
و أصلح بالهم، ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم، كذلك يضرب الله للناس أمثالهم)).
فهذه الايات الثلاث توازن بين الفريقين المتقاتلين اللذين لايخلو منهما زمان ولا مكان، وهما: ((فريق المؤمنين وفريق الكافرين)) فتسم الاولين بميسم الكفر على أسلوب الموصول والصلة، فتقول: ((الذين كفروا)) ولا تقول: ((الكافرون)) لان الموصول وصلته يشعران بتعليل الحكم إذا كان الكلام متضمناً حكماً، ثم تصفهم بوصف جامع لكل أساليب الشر والباطل والفساد على شدة وجازته، فتقول: ((و صدوا عن سبيل الله)) وبذلك تبين أن كفر هم لم يكن مجرد عقيدة قلبية لهم، ليس لها آثار ايجابية عملية، ولكنه عقيدة ينبعث عنها كل شر، فان الصد عن سبيل الله هو مدافعة الناس عن كل ما هو خير، فليس لله سبيل تنسب اليه الا سبيل الفضيلة فى أية صورة من صورها: فى العقيدة، وفى الاعمال، وفى السلوك الاجتماعى، وفى كل ما هو خلق كريم تنعكس آثاره الطيبة على الافراد والجماعات، فاذا كان هناك من يترصد صراط الله المستقيم ليصد الناس عن سلوكه،فأولئك هم جنود ابليس الذى يقول: ((لاقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)).
ثم تأتى بعد ذلك بالحكم عليهم، وبيان عاقبتهم فتقول: ((أضل أعمالهم))، أى أبطلها وأذهبها، على حد قوله تعالى فى آية أخرى: ((و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً)).
و بعد أن يتحدث مطلع السورة عن الكافرين ويصفهم بصفتهم الجامعة لمختلف أساليبهم فى معاداة الحق، ويحكم عليهم بضلال أعمالهم وبطلانها، يذكر المؤمنين، فيختار لهم أسلوب الموصول والصلة، اذ يقول: ((و الذين آمنوا)) ليغرس فى النفوس من أول الأمر سر فلاحهم وصلاحهم، فان ((الايمان)) هو القوة التى يصدر عنها كل خير، والتى تمنح صاحبها هدوء النفس، وراحة البال، والتى تدفع إلى الجهاد والتضحية فى سبيل كل معنى شريف، ثم يقرر أنهم مع ايمانهم ((عاملون)) لانه لا فائدة فى الايمان إذا كان مجرد صورة ظلية ساكنة لاحراك بها، ولا خير
