/ صفحه 279/
و كذلك يجب على محمد أن ينقل التوجيه الالهى للناس لا أن يتلقاه فحسب، فمهمته نبياً تزدوج من الان فصاعداً بمهمته رسولا.
لقد رأينا في الفترة بين البلاغين كيف أبطأ الوحى على محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف انقطع وكم كان قليلا، ولكنه مند الرسالة سيتلقى النبى - على النقيض - الوحى ان لم نقل بانتظام فبكثرة وباستمرار ما ودون انقطاع طويل.
ان سنة 612 بعد عيسى عليه الصلاة والسلام لهى نقطة البداية في عمل رسول الاسلام، عمل جاء التاريخ الهجرى(1) يقسمه إلى عهدين متساويين على وجه التقريب: عشر منين بمكة مدينة ميلاده وعشر اُخر بالمدينة مقامه الجديد حيث انتقل إلى الرفيق الاعلى في 12 أو 13 من ربيع الاول للسنة الحادية عشرة من الهجرة (7 أو 8 يونية سنة 632) تماماً في سن 63 سنة هلالية، أو على وجه التقريب 61 سنة شمسية(2).
ــــــــــ
(1) معنى الهجرة: قطع الصلات والابتعاد الاختيارى ولو كانت الاسباب التي حملت عليها اضطراريه)) ومعلوم أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في أثناء قيامه بالدعوة هاجر من بلده يوماً - عشية ائتمر القوم به ليقتلوه - إلى المدينة حيث وصل في بداية شهر ربيع الاول، في الثانى أو الثامن أو الثانى عشر منه، على خلاف في رواية المؤلفين، واعتماداً على عدة وثائق)) عين الفلكى المصرى آنف الذكر يوم الاثنين الموافق 20 سبتمبر سنة 622 من ميلاد المسيح على أنه يجب ألا ننسى أن التاريخ الإسلامى لم يبدأ من يوم الهجرة بل من أول السنة القمرية التي وقع فيها ذلك الحدث، والتي كانت قد بدأت منذ شهرين وبضعة أيام... أول محرم يعنى 15 أو 16 يوليو سنة 622، وبالتالى فإن 33 سنة قمرية تساوى 32 سنة شمسية تقريباً، فيكفى لتحويل التاريخ الهجرى إلى التاريخ الميلادى أو العكسى أن نعمل الصيغتين التاليتين:
هجرية + 622 - 33هجرية = شمسية
شمسية - 622 + 32شمسية - 622 32 = هجرية
(2) من مقال عنوانه (سن محمد) ((الجريدة الاسبوعية مارس - ابريل 1911 م)) أراد ((لامانس)) أن ينقص سن النبى صلى الله عليه وسلم نحو 10 سنين دون أن يدئم دعواه تلك بأى دليل سوى أنه قد بدا له أن رجلا تجاوز الخمسين من عمره يستحيل أن يكون له من الطاقة ما يمكنه أن يصطنع لنفسه حياة جديدة، ولا حجة له على قول النبى: ((ولدت في زمن الملك العادل كسرى)) وقوله: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده)) ولا على الشهادات الثابتة لاصحابه: معاوية وابن عباس والسيدة عائشة، والوقائع التاريخية المتفقة في السنويات المختلفة الاوربية والفارسية والعبرية، سوى أنه يكتفى بأن يورد بيانات ملتقطة من مؤلف مجهول المؤلف، وأساطير موضوعة متضاربة فيما بينها، فينتهى به الحال إلى بضع علامات استفهام، لا عن هذه المشكلة الخاصة وحدها، بل عن جملة حياة النبى وكل ما يتصل بها، وبناء على مقولته: التواريخ والوقائع والشخصيات وكل ما هو ثابت ثبوتاً تاريخياً مقطوعاً به مظنات شبهة، فهى انما وضعت لاغراض معينة عن طريق التوفيقات التفسيرية واللغوية، وعن طريق البحوث التنسيقية... فكل أعمال الاستشراق اتجهت في الطريق الضالة المضلة وراء المؤرخين العرب، أفيبقى للعلم شىء يمسك به من تلك المساهمة السلبية بل التدميرية؟ على أن ما هو أكثر خطراً عند ((لامانس)) أنه لايكتفى باتجاهه الساخر حيث السخرية تلذع في كل خطوة وراء هذا الشك العضال، بل ان اصراره على هذا المسلك ((البيرونى المشكك)) ما ان يعثر برأى يجافي محمداً ولو كان رأيا عديم الثمرة أو واضح الاستحالة حتى ينقلب تشككه يقيناً مثبتاً: تحيز حاقد اذن لايستحيى أن يتكلم باسم النقد وهو يهدم المنطق نفسه.
