/ صفحه 278/
الطبيعة إذا كان هذا العلم الموعود قد أعلنه صوت الحقيقة من أن ينظر تحقق هذا الوعد من يوم ليوم؟ ولكن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعود في الغالب ليبحث عن الدرس الثانى هناك حيث تلقى الاول، فيضع نفسه في الاحوال نفسها كالماضى.
يجوب الجبل ويقلب بصره في كل الانحاء، والايام تمر والاسابيع تمضى والشهور تتعاقب على الشهور، وينصرم عام، وثان يبدأ، وعند الشعبى يبدأ ثالث ولا يرى شيئأ يرده، انه في كل مرة يجد نفسه على حافة هاوية اليأس يرى ويسمع: يا محمد انك لرسول الله وانى جبريل، فيسكن لهذه الكلمات قليلا، ولكن الوحى الجوهرى ما يزال يطيل أمد انتظاره، فيتردى في الحزن نفسه والحرج نفسه، سيقول بعضهم انهالم تكن الا افراطاً في الجنون، وآخرون فيما بعد يفرضون أنه كان في الحق عرضاً سماوياً أثمن من أن يقدر، ولكن محمداً استبان بضعف مقاومته غير كفء له وغير جدير بالرسالة الالهية.. كلا فإن الوحى عما قريب مؤمنه بنصين قصيرين من القرآن ((ما أنت بنعمة ربك بمجنون))، ((ما ودعك ربك وما قلى)) ينفيان هذا الاحتمال المزدوج المرعب، ولكنه لايعطى التوجيه الذي طال انتظاره:
ان سنه الان ثلاث وأربعون سنة هلالية، وهو يحب أن ينتظر درساً ((هذه الكلمة الثقيلة الخطيرة الموعود بها: ((يأيها المزمل. قم الليل الا قليلا. نصفه أو انقص من قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا. انا سنلقى عليك قولا ثقيلا)).
بل لقد اصبح من عادته منذ الايحاء الاول أن يخلو على جبل حراء في العهد نفسه، يعنى شهر رمضان.. وأخيراً لقد كان أتم وقت اعتكافه هناك، ونزل على السفح في اتجاهه إلى المدينة حين سمع من يدعوه... وينظر يميناً ويساراً ورواءه فلا يرى شيئاً، ويرفع بصره في السماء فيعرف الملك الذي كان رآه في حراء، الا أن بغتة الظهور والعظمة الهائلة للمخلوق السماوى بهرتاه إلى درجة أن ساقيه لم تقوياً على حمله، ارتعش رعباً ((و ربما أيضاً من برد يناير)) وعاد إلى خديجة يبتغى أن تعنى به كما فعلتفى المرة الاولى... وها هو ذا الزائر المحترم يلحق به في البيت حاملا اليه الأمر الذي يخوله به اختصاصه الثانى: ((يأيها المدثر، قم فأنذر)).