/ صفحه 277/
المزدوجة سمعاً وبصراً التي لم يسمع بمثلها، استلزم - على الراجح - أن يساوره الشك لحظة في شخصية صاحب الصوت الموحى وشىء من الخوف أن يكون ضحية وسوسة شيطانية، هو الذي لم يبغض شيئاً كما أبغض وسائل السحرة والعرافين، أفلا يخشى أن يصبح واحداً منهم؟ كذلك لا يبعد عن الحقيقة أن تكون الالام الجسيمة التي سببها ذلك اللقاء فيما يرى شبيهة بآلام نزع الروح، وأن يعتقد أنه ميت منها، ولقد يعود إلى داره مباشرة بهذه العقدة من الاضطراب المعنوى والجسمى، ينفضه ضرب من ضروب الحمى الباردة، فيطلب أن يدثروه في الاغطية الثقيلة حتى يزول عنه الروع، ثم يقص على خديجة قصص هذا الحادث الذي وقع له معبراً لها عن مخاوفه وحيرته، فتسكن رفيقة حياته من جأشه بأحسن ما تستطيع من الكلام الاملا حكمة والاقوى سكينة، قالت له: كلا والله ما يخزيك الله أبد، انك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.ولكنها على كل حال لم يكن في استطاعتها أن تعطى بياناً ايجابياً محققاً لطبيعة الظاهرة نفسها، بل كانت في حاجة إلى رأى بعض ذوى الثقة والاختصاص في مثل هذا الأمر، فقررت أن تذهب به لتستشير هذا الثقة وهو ابن عمها ورقة بن نوفل الشيخ الذي كان يدين بالمسيحية، والذي كان ضليعاً في العبرية، وأليفاً للكتب المقدسة على الرغم من أنه الان كفيف البصر، قال لهما ورقة: هذا الناموس(1) الذي نزل الله على موسى، ياليتنى فيها جذعاً، ليتنى حياً اذ يخرجك قومك، فقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أو مخرجى هم؟ وأجاب ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الا عودى، وان يدركنى يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ولكن حياة ورقة لم تمتد كما أراد، وإذا كان كلامه المشجع قد استطاع أن يلقى بعض أشعة الامل في تلك النفس القلقة، الطامعة في العرفة، المولعة بالوضوح واليقين... أو عسى أن يقول في هذا الروح الوضعى، فسنرى أن هذا الامل لم يكن جد قوى، وأنه على كل حال لم يعمر طويلا، وفي واقع الأمر أى شىء أقرب إلى
ــــــــــ
(1) الناموس: يعنى كاتم السر السماوى الاكبر أو القانون.
