/ صفحه 276/
كل الشوغل الدنيوية، كان يحب أن يعتزل(1) في غار يطل على معبد الكعبة المقدس وعلى الفضاء اللانهائى للسماء التي تمتد خلفه.. وها هو ذا في احدى الليالى في ذلك السكون الشامل، بالدقة يوم 17 من شهر رمضان، فيما يروى لنا ابن سعد - فبراير سنة 610 من التاريخ المسيحى - محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتصل المرة الاولى بعالم الغيب بما هنالك، فكانت تجربته الاولى لظاهرة الوحى بمعناه الصحيح، وان صاحب التجربة نفسه ليروى لنا كيف تم الأمر، يعطينا اياه في صورة حواريين معلم وتلميذ: بينهو بين جبريل.
يقول الملك: اقرأ - أو اتل - فيجيب في دهشة: لست ممن يعرفون القراءة، فيغطه غطة تحتمل بصعوبة، ويقول مكرراً: اقرأ، ماذا يجب أن أقرأ؟ كذلك يجيب فيسمع الأمر بالقراءة يتكرر مع غطة أعنف من الاولى، كأنه يوقظ انتباهه إلى أبعد مدى، ويلقن روحه كل هذا التكليف فوق الانسانى الذي سيفرض عليه ولكن كيف أقرأ أو أتلو؟ كذلك يجيب صاحبنا صاحب الخلوة وقد أخذه الرعب، حينئذ يقرأ الملك أمامه: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم)) (1-5 سورة 96) ثبت هنا الكلام نهائياً في ذاكرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ يكرره لنفسه، ويختفى الملك، ولكنه ما ان يخرج من الغار لييمم شطر مسكنه حتى يسمع صوتاً يناديه فيرفع رأسه وإذا الملك يملا الافق ويصرح له: يا محمد أنت حقاً رسول الله وأنا جبريل، وعبثاً يحوّل بصره، فحيثما تقدم أو تأخر لايستطيع أن يشخص ببصره في أى نحو من أنحاء السماء دون أن يرى الملك، ظل كذلك بعض الوقت، ثم لم يعد يرى شيئاً.
ان الاضطراب الذي خامر محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من جراء تلك الظاهرة

ــــــــــ
(1) ان نص البخارى لايحدد المدة الكاملة لهذا الاعتكاف، بل يكتفى بالاشارة إلى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحنث بالغار عدة ليال، وأنه كلما نفد زاده عاد إلى أسرته ليأتى بزاد جديد، ولكن ابن اسحاق يحدد مدة هذا الاعتكاف الذي كان يعتريه الانقطاع بشهر.