/ صفحه 275/
النظيف المعتنى به، ومع القناعة النادرة لايحجم عن استعمال الطيبات من الاشياء إذا جاءت تلقائيا، يحتمل المكاره والمتاعب دون أن يبحث عنها خاصة، هادىء عادة، قليل الكلام، ولكن هذا القصد في القول لاينفى حسن تقبل أحاديثه ولا احساسه الدعابة البريئة، وحين أصبح الرئيس والسيد الوحيد للدولة لم يغره نشب هذه الدنيا ولا أموالها، بل تناءى - في اصرار- بنفسه وبذويه عن كل ضروب الترف من أى لو كان.
و لقد نرى انفجار معارضته الصريحة لمناسبة بعض المطالب المادية لاسرته التي أرادت شيئاً من زهرة هذه الحياة الدنيا وبريقها، وأخيراً حتى الاشياء القليلة التي كانت في حيازته لن يكون مصيرها أن يرثها ذووه بعده، بل توزع بتمامها بعد وفاته على الفقراء.
هذا وتتجلى عظمته صلى الله عليه وآله وسلم في الفضيلة الاجتماعية، فهو ذو لطف ورقة مثاليين لايتخليان عنه وهو في أوج سلطانه، لايقطع الحديث أيا كانت منزلة المتحدث اليه، ولاتبدر منه أية بادرة لانهائه، وليس هو الذي يسحب يده أولا من يد محدثه.. ومع ما يبدى من الحزم وعدم التحيز حين يطبق أحكام العدالة العامة تراه ما ينفك متساهلا في كل ما يتصل بحقوقه الشخصية، ويؤكد أنس بن مالك - أحد خدمه - أنه خلال السنين العشر التي خدمه فيها لم يوجه اليه لائمة قط، ولاسأله عن البواعث التي من أجلها أدى هذا العمل ولم يؤد ذاك، ولكنه إذا كان قد حيى حتى الان في سلام مع الجميع، عالماً كيف يكون محبوباً معجباً به في كل البيئات فانه لن يلبث أن يهيج العداء والعارضة عند أؤلئك الذين لم يكونوا قصروا في اعزازه، انه يشارف الاربعين عشية الحدث الحاسم الذي سيرسم لسيرته اتجاهاً جديداً، ويكون تحولا حقيقاً في التاريخ العام.
و لقد كان أول ارهاصات استعداده النبوى - كما يقول هو نفسه لعائشة - أن كل ما يراه في النوم يتحقق حرفياً في اليقظة في وضوح يشبه فلق الصبح المبين، ثم يحس رغبة في العزلة فيقع اختياره على جبل حراء أو جبل النور شمالى مكة، مكاناً لخلوته هناك بعيداً عن وسط الرجس والفساد في المدينة، وبعيداً كذلك عن
