/ صفحه 272/
((سورية)) اسمه بحيرا، فلقد لاحظ هذا الحبر فيما تروى الاثار أمارات أعلنتها النصوص المقدسة تلازم القافلة في سيرها، فدعا رجال القافلة إلى طعامه وأخذ يتفرس في ملامحهم ليقابل بينها وبين ما يجده عنده في الوثيقة التي يمكلها فلا يجد وجهاً للمقابلة.. ولكنه أخيراً يسائل صاحبنا الصبى الذي وصل متأخراً... ثم يقترب من أبى طالب ويقول له: انه لمقدور لهذا الغلام أن يؤدى عملا عظيماً في العالم، عد به في أسرع وقت إلى بلدك، واسهر عليه أبداً، واحذر عليه خاصة اليهود الذين سيلحقون به ضرراً لو علموا عنه ما أعلم.(1)
معلوماتنا قليلة التفصيلات عن الرسول بين هذا التاريخ وتاريخ زواجه، وانما نعرف في الجملة أنه قضى شبابه في حال قريبة من الفقر، يشهد بذلك القرآن ((آية 8 سوره 93)) والسنة تبينه، فلقد مات أبوه صغيراً في حياة جده، ولم يؤل اليه من ميراث أمه حين ماتت الا أمة سوداء وقطيع من الغنم وخمس قلائص... وكان أهم ما يشغله خلال تلك اللقبة فيما يبدو هو عمل الراعي، وهو كما ينبؤنا فيما بعد عمل الانبياء السابقين، ومن بينهم موسى وداود، ولكن الذي يميزه بين الشباب انما هو أخلاقه المصفاة، وفي المقام الاول عفته البالغة وبعده عن ملذات الشباب الرخصية، فطهره لا شك كامل. ولقد كان يوحى الرعاية الحية لكل من تجمعه به صلة، والثقة التي كانت له في قلوب أصحابه تشرح أو تعلل اللقب الذي أعطوه اياه: الامين... ان أخلاقاً قوية كاخلاقه لاتلبث في الغالب أن تسترعى إلى صاحبها انتباه الرأى العام، لذلك تراه وهو لما يزل حدثاً ((في نحو العشرين من عمره)) يدعى ليجلس جنباً إلى جنب مع الرؤساء الكبار شيوخ القبائل في حلف الفضول(2)، وزواجه في سن الخامسة والعشرين اذ يهيىء له فرصة لشىء من اليسر، يكشف في الوقت نفسه عن مزايا له صلى الله عليه وآله وسلم ليست أقل سموا، فلقد كلفته خديجة، تلك السيدة الفاضلة الغنية النبيلة الارملة ذات الاربعين عاماً، عملا تجارياً

ــــــــــ
(1) انظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 115.
(2) كلمة فضول تعنى حرفاً التدخل الحميد، وهذه الجمعية الملكية كان هدفها حماية الضعفاء ونصفة المظلومين، وتحقيق السلام بين القبائل ضد من يحاول انتهاكه كائناً من كان.